محمد الباز
مسكينة السجادة المصرية التي كنا نجلس عليها كعائلة واحدة.. ولم نعرف كيف نحتفظ بها كميراث وطني مشترك.
لو أضرم أحد النار في طرفها.. لا نحاصر النار.. ونمنع امتدادها.. بل نسكب عليها البنزين.. ونزيدها اشتعالا.
لقد حدث ذلك في أزمة الكنيسة والدولة التي تفجرت عقب الحكم باستخراج تصريح زواج ثان للمسيحي المطلق من زوجته ورفض البابا تنفيذه إيمانا منه بأنه يخالف تعاليم الإنجيل.
والحقيقة أن الصدام القانوني بين الدولة والكنيسة معلق منذ خمسين سنة دون حل.. المحاكم تطبق لائحة الأحوال الشخصية الصادرة عن المجلس الملي للأقباط الأرثوذكس.. والكنيسة ترفضها.. وتعتبرها مخالفة لأحكام الإنجيل التي لا تجيز الطلاق إلا لعلة الزني.. وهو ما جعل الكنيسة تبدو كأنها فوق القانون.. أو دولة داخل الدولة.
يقول الدكتور سمير تناغو استاذ القانون المدني بحقوق الإسكندرية وأكثر المختصين فهما في تشريعات غير المسلمين : إن الكنيسة جزء من الدولة.. وتخضع لسلطانها التشريعي.. وليس لها الحق في صياغة قوانين رعاياها.. وتظل الدولة مصدر القانون وقوة تنفيذه ولو فوضت الكنيسة بوضع قواعد موضوعية تحكم زواج وطلاق المسيحيين وأحوالهم الشخصية.
لكن.. ذلك لا يعني أن الدولة وهي تضع تشريعاتها يمكن أن تمس العقيدة المسيحية أو تجبر أنصارها علي مخالفتها.
إن أخطر نص قانوني تسبب في الصدام بين الدولة والكنيسة هو نص المادة الثالثة من القانون رقم واحد لسنة 2000 بتطبيق الشريعة الإسلامية علي المسيحيين دون مبرر عند اختلاف الملة أو الطائفة.. وهو نص فتح الباب أمام تعدد الزوجات في المسيحية لولا أن تدخلت محكمة النقض وأغلقته.. معترفة بعيب جوهري في القانون.. دون أن تقترب من باقي العيوب.
وبادر الدكتور سمير تناغو هو ومجموعة من اساتذة القانون المدني والقانون الدولي الخاص هم الدكتور منصور مصطفي منصور والدكتور محمد لبيب شنب والدكتور هشام صادق والدكتور فؤاد عبد المنعم رياض والدكتور أحمد حشمت الجداوي بوضع مادة بديلة لتلك المادة المعيبة ترفع الحرج وتفرج الضيق وتجهز علي الاحتقان. وحسب ما اقترحوه فإنه مادة (1) : يستبدل بنص المادة (3) من القانون واحد لسنة 2000 النص الآتي : " يرجع في المسائل التي كانت تعتبر من الأحوال الشخصية والتي صدر بشأنها قانون موحد بالنسبة للمصريين جميعا إلي نصوص القانون المذكور".
إذا اختلف غير المسلمين في الديانة أو الملة أو الطائفة فيرجع في الشروط الشكلية والموضوعية لصحة الزواج إلي شريعة كل من الزوجين وقت الزواج. أما آثار الزواج فتسري عليها شريعة الزوج وقت انعقاد الزواج. وتسري علي الطلاق الشريعة التي ينتمي إليها الزوج وقت الطلاق. وتسري علي التطليق والانفصال الشريعة التي ينتمي إليها الزوج وقت رفع الدعوي ".
ويجوز لغير المسلمين عقد زواج مدني إذا تعذر عقد زواج ديني طبقا للشروط والإجراءات التي يحددها وزير العدل ويخضع هذا الزواج في آثاره وانحلاله لأحكام الفقرة السابقة".
وإذا كان أحد الزوجين مسلما وقت انعقاد الزواج فتسري الشريعة الإسلامية وحدها. ويسري نفس الحكم إذا أسلم أحد الزوجين بعد انعقاد الزواج سواء كان تحوله إلي الإسلام قبل رفع الدعوي أو بعدها. وإذا كان الزوج هو الذي تحول إلي الإسلام بعد انعقاد الزواج يكون للزوجة غير المسلمة الحق في طلب فسخ عقد الزواج".
يلغي النص المقترح تطبيق الشريعة الإسلامية علي غير المسلمين عند اختلاف الطائفة أو الملة.. وكأن تطبيق الشريعة الإسلامية في هذه الحالات يعطي الزوج المسيحي إرادة منفردة بالزواج والطلاق وهو ما ترفضه الكنيسة التي يصعب عليها التضحية بتفسيراتها الدينية بسبب ضغوط اجتماعية أو سياسية.
لكن.. في الوقت نفسه تبدو الكنيسة المصرية بعيدة عن التغيرات والتطورات التي تعيشها المسيحية خارجها.. فقد توسعت اجتهادات صائبة للإنجيل في إباحة الطلاق وتيسيره.. كما أن حقوق الإنسان تعارض أن تستمر العشرة بين زوجين رغما عنهما.
في 11 أكتوبر 2006 أصدرت المحكمة الفيدرالية الألمانية حكما وصفه الدكتور سمير تناغو بأنه حكم تاريخي.. قررت تلك المحكمة أن أحكام الشريعة الكاثوليكية التي لا تجيز الطلاق تخالف النظام العام في البلاد.. وكان النزاع المعروض أمامها يخص زوجين سوريين كلدانيين من الكاثوليك.. وحسب قواعد تنازع القوانين فإن القانون الواجب تطبيقه هو القانون السوري الذي ينص في هذه الحالة علي تطبيق الشريعة الكاثوليكية.
لكن.. المحكمة وجدت أن أي قانون أجنبي لا يجيز التطليق هو قانون مخالف للنظام العام في ألمانيا.. ولا يجوز تطبيقه حتي لو كان هو القانون الواجب التطبيق أصلا.
وقالت المحكمة : " إن الزواج علاقة إنسانية لا يجوز إجبار أي زوج علي الاستمرار فيها وإلا فقد الزواج معناه".
ويعتقد الدكتور سمير تناغو أن الكنيسة المصرية لن تقتنع بالطلاق مهما سيق لها من حجج عقلية واجتماعية وسياسية.. فهي " لا تساوم أبدا في الدين مهما كان السبب ".. والطريقة الوحيدة لاقناعها هي الرجوع إلي أقوال السيد المسيح كما جاءت في الإنجيل.
ومن المعروف أن الزني الفعلي يصعب أو يستحيل إثباته.. وهناك اجماع علي ما يسمي بالزني الحكمي الذي يعتبر القرينة تكفي لحدوث الزني الفعلي.. والكنيسة تقبل فكرة الزني الحكمي.. حيث ذكرت المادة (115) من مشروع القانون الموحد ــ الذي تقدمت به جميع الطوائف المسيحية في مصر منذ ثلاثين سنة ــ ست حالات تدل علي الخيانة الزوجية.. منها هروب الزوجة مع رجل غريب.. أو ظهور خطابات غرامية ".. أو تسجيل مكالمات تليفونية.. مثلا.
ولو كانت الكنيسة المصرية تقبل بالزني الحكمي فإن السيد المسيح " أخذ بمعني واسع للزني يتخطي الزني الفعلي والزني الحكمي " حين قال عليه السلام " من نظر إلي امرأة ليشتهيها فقد زني بها في قلبه ".. وبالطبع لو نظرت امرأة إلي رجل لتشتهيه فقد زنت به.. " ولم يكن السيد المسيح يتحدث عن حالة افتراضية نادرة بل كان يتحدث عما يحدث فعلا في المجتمع في كل وقت.. فهو يعرف طبيعة البشر وما يجول بخواطرهم".
ويضيف الدكتور سمير تناغو : " ونحن نستطيع أن نجزم بأنه في كل أسباب التطليق المنصوص عليها في لائحة عام 1938 يحدث الزني بالقلب والنظر حتما لأن الزواج قد زال وولي واصبح كل من الزوجين عرُضة لكل الإغراءات والشهوات خاصة إذا حرمنا كلا منهما من الحق في استرداد حريته والزواج مرة أخري".
والأسباب الواردة في تلك اللائحة تشمل بجانب الزني وخروج أحد الزوجين عن الدين المسيحي غياب أحد الزوجين خمس سنوات متوالية.. والحكم علي أحد الزوجين بعقوبة الأشغال الشاقة أو السجن أو الحبس لمدة سبع سنوات فأكثر.. وإصابة أحد الزوجين بجنون مطبق.. أو بمرض معد.. أو إصابة الزوج بالعجز الجنسي الذي لا شفاء منه.. وإذا اعتدي أحد الزوجين علي حياة الآخر.. أو اعتاد إيذاءه إيذاء جسيما.. وإذا انغمس أحد الزوجين في الرذيلة.. وأخيرا إساءة المعاملة التي تؤدي إلي فرقة ثلاث سنوات متوالية.
إذا تحقق سبب من هذه الأسباب فإن الزني بالعقل والقلب والعين يقع حتما وهو زني حقيقي حسب قول السيد المسيح".
وعند اعتراض السيد المسيح علي قول موسي بأن تعطي كتاب طلاق فتطلق فهو اعتراض علي السهولة البالغة في الطلاق الذي يقع بمجرد كتاب يكتبه الزوج.. واشترط أن يكون سبب الطلاق قويا.. وليس مجرد إرادة الزوج أو هواه.. واشترط أن يكون السبب هو الزني.. ثم جاء بعد ذلك في نص آخر وأعطي تعريفا واسعا جدا للزني يشمل الزني بالنظر والقلب.. وهو ما يحدث قطعا في كل حالات الضرر والمرض المعدي والإيذاء والغياب الطويل والسجن.. ونأمل أن تقبل الكنيسة هذا المعني الواسع للزني الذي يستند إلي قول السيد المسيح".
والكل قد وقع في هذا النوع من الزني فقد اعترف الرئيس (الأمريكي) المتدين جيمي كارتر بأنه وقع مرات عديدة في شهوة الزني بالنظر والقلب ووقع فيه أيضا القديس سمعان الخراز الذي قلع عينه بسببه أخذا بوصية المسيح".
وإذا كان يجوز قلع العين بسبب الزني بالنظر ألا يجوز الطلاق وهو أقل من قلع العين بكثير.. المسألة تحتاج إلي إاعادة تفكير فعلا من جانب الكنيسة".
وينتقل الدكتور سمير تناغو إلي زاوية أخري في القضية الشائكة قائلا : إن الكنيسة ليست طرفا في أحكام التطليق التي لا تعترف بها.. ويظهر دور الكنيسة عندما يذهب من حصل علي حكم بالطلاق إليها لتعقد له زواجا ثانيا دينيا ومدنيا معا.. ولكن.. لا أحد يجبرها أبدا علي عقد زواج ديني لشخص تري أنه لا يزال مرتبطا بزواجه السابق.
ولحل المشكلة التي عاني منها المطلق الذي لا تعترف الكنيسة بطلاقه لابد من تمكينه من عقد زواج مدني فقط وفقا للإجراءات والشروط التي يحددها وزير العدل.. وبطبيعة الحال يكون هذا الزواج صحيحا وتعترف به الدولة ولو لم يجر بالشكل الديني.
ومع ذلك يظل هذا الزواج خاضعا من حيث آثاره وانحلاله للشرائع المسيحية طبقا للتعديل المقترح من أساتذة القانون الستة الكبار السابق التركيز عليه.
وزواج المسيحيين في مصر زواج ديني ومدني معا.. فحسب لائحة 1938 فإن الزواج " سر مقدس يثبت بعقد يرتبط به رجل وامرأة ارتباطا علنيا طبقا لطقوس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بقصد تكوين أسرة جديدة والتعاون معا في شئون الحياة ".. فلا يكفي لانعقاد الزواج توافر الشروط الموضوعية مثل الأهلية والرضا وانتفاء الموانع وإنما يلزم أن يكون الزواج علنا وفق طقوس دينية مرسومة تعتبر صلاة الأكليل هي التي تحل النساء للرجال والرجال للنساء وإلا كان الزواج باطلا.
ويباشر رجل الدين أو الكاهن العقد المدني باعتباره موثقا منتدبا من وزارة العدل وهو في الوقت نفسه يقوم بصلاة الإكليل.
وفكرة الجمع بين الديني والمدني معا فكرة فريدة من نوعها لم يعد لها وجود في الدول الغربية والمسيحية عموما فقد فصلت بشكل واضح بين الزواج المدني والزواج الديني.
والزواج المدني المقترح حلا أخيرا في الحالات الاستثنائية السابق ذكرها يختلف تماما عن الزواج المدني في الدول الأوروبية والولايات المتحدة وغيرها. كانت فرنسا أسبق الدول الأوروبية والمسيحية في الفصل بين الزواج المدني والزواج الديني.. فأول دستور بعد الثورة الفرنسية (دستور 1791) نص منذ أكثر من قرنين علي أن " القانون لا يعتبر الزواج إلا عقدا مدنيا ".. بل إن قانون العقوبات هناك يقضي بمعاقبة الكاهن الذي يعقد زواجا دينيا قبل أن يتأكد من عقد الزواج المدني ".
أما في مصر التي راعت المشاعر الدينية لمواطنيها المسيحيين فإن الزواج لا ينعقد صحيحا إلا بصلاة الإكليل فينعقد الزواج دينيا ومدنيا في نفس الوقت.. وسيظل الزواج هكذا لفترة طويلة قادمة لأن الدين لا يزال يشغل حيزا كبيرا في حياة المصريين".
أما في الحالات الاستثنائية التي ترفض فيها الكنيسة عقد الزواج الديني ــ بعد صدور حكم قضائي نهائي بالتطليق ــ فإن الدول لا تستطيع أن تتخلي عن مواطنيها المطلقين الذين يرغبون في عقد زواج ثان.. ويجب أن يصدر وزير العدل قرارا بتنظيم إجراءات عقد الزواج المدني للمسيحيين في هذه الحالات وأن تراعي في هذا الزواج شروط الأهلية والرضا وانتفاء الموانع وأن يقيد الزواج في سجلات خاصة بالمصريين غير السجلات التي تخص الأجانب.. وبجانب ذلك يظل هذا الزواج خاضعا في أحكامه وآثاره وانحلاله للشرائع المسيحية المختلفة طبقا لقواعد تنازع القوانين وبعد إجراء التعديل المطلوب علي المادة الثالثة من القانون رقم واحد لسنة 2000.
وهناك أمل بطبيعة الحال إلا تدعو الحاجة إلي وضع هذا النظام المدني الاستثنائي إذا أخذت الكنيسة في يوم ما بالتفسير الواسع لمعني الزني".