بقلم / محمد الباز

تبدو الصورة من بعيد لامعة وبراقة.. لكن ليس كل ما يلمع ذهبا.
قد تكون هذه الجملة تلخيصا - أرجو ألا يكون مخلا - للجنة التي شكلها وزير العدل المستشار ممدوح مرعي من أعضاء مكتبه الفني، لإعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين، فتشكيل اللجنة في حد ذاته، والاهتمام بالقانون أمر طالب به الأقباط كثيرا، تحديدا منذ العام 1979.
في هذا العام كانت الطوائف المسيحية الثلاث (الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية) قد انتهت من اجتماعاتها المطولة التي استغرقت العام 1978، للاتفاق علي مشروع قانون للأحوال الشخصية لغير المسلمين، تم تسليم المشروع للدكتور صوفي أبو طالب الذي كان وقتها رئيسا لمجلس الشعب، لكن يبدو أن الصدام الذي وقع بين البابا شنودة والرئيس السادات قد أجل النظر في المشروع، خاصة أن البابا كان داعما قويا للمشروع، بل هو الذي قاد لقاءات الطوائف، حتي يصبح المشروع موافقا لما يراه خاصة فيما يتعلق بالطلاق والزواج الثاني في المسيحية.
ظل قانون الأحوال الشخصية راقدا في أدراج الحكومة لا يتحرك، اللهم إلا مرة واحدة، عندما أعلنت الحكومة اعتراضها علي الباب الخاص بالتبني في القانون، حدث هذا في العام 1989، وأجري التعديل المستشار ملك مينا الذي يتولي الآن مهمة أمين عام هيئة الأوقاف القبطية، وقد شارك أيضا في صياغة مشروع 79 أيضا، لكن منذ هذا الحين والقانون لا يتحرك، رغم نداءات ورجوات البابا شنودة المتكررة والمتتالية لمناقشته وإقراره، حتي يتخلص من صداع الطلاق والزواج.
ما الذي حدث الآن؟
لقد وعد وزير العدل أن تنتهي اللجنة من صياغة المشروع خلال ثلاثين يوما فقط، وقد سرت في الكنيسة الأرثوذكسية حالة من الارتياح للاعتقاد بأن القانون سيعرض علي مجلس الشعب خلال دورته القادمة، وهي أمور تثير الريبة أكثر مما تشيع الارتياح وذلك لأسباب عديدة، تأتي في أغلبها من خلف الكواليس وليس من علي خشبة المسرح العلنية التي نشاهدها جميعا.
أول هذه الأسباب أن إعداد القانون بهذه الصورة وبهذه السرعة يعني أنه مجرد ترضية مباشرة للبابا شنودة الذي أعلن غضبه الشديد من حكم المحكمة الإدارية العليا الذي ألزمه بمنح تصاريح الزواج الثاني للمطلقين الأقباط بحكم محكمة.
لقد أوصل البابا شنودة غضبه من الحكومة إلي السقف، وقد رصدت الأجهزة الأمنية أن البابا كان يسعي للتصعيد والحشد وتوظيف غضب الأقباط في تنظيم مسيرات ومظاهرات، واستخدام حالة الكراهية التي يحملها أقباط المهجر للتشهير بالنظام في الخارج.
وهو ما دفع مسئولون كبار -وهو ما تم الإعلان عنه بالفعل - يتصلون بالبابا شنودة، ويعدونه بأن تنتهي الأزمة، وما عليه إلا أن يهدئ الأقباط ويمتص غضبهم، وهي صيغة مريبة جدا، فحل الأزمة المقصود لن يكون إلا بتنفيذ ما يريده البابا، وما يريده البابا تحديدا، هو أن تعترف الحكومة بأن الطلاق في المسيحية لا يتم إلا لعلة الزني، ليس هذا فقط، ولكن أن تعترف الحكومة بمفهوم البابا للزني دون غيره، وتغض الطرف عن الاجتهادات الكثيرة التي تري أن الزني الذي يراه البابا شنودة مفهوم ضيق وقاصر، ولا يتفق مع مقاصد الإنجيل ولا السياق الذي تم إنتاجه فيه.
هل هذا هو كل ما يريده البابا شنودة؟
بالطبع لا، فهو يريد ألا تتدخل المحكمة من قريب أو بعيد في أحكام الطلاق أو الزواج الخاصة بالأقباط، وأن تكون للكنيسة وحدها الحكم في هذه الأمور، وقد ترددت في كواليس الأزمة أن القانون الجديد الذي تعكف عليه لجنة وزارة العدل الآن سيراعي ما يريده البابا دون غيره.
ثانيا:المدة الزمنية القصيرة التي أعلن عنها لإعداد القانون أثارت الشك في أن الأمر لن يتعدي النظر في القانون القديم الذي قدمه البابا، ويمكن ببعض التعديلات التي لن تخرج عما تريده الكنيسة أيضا، يمكن تقديم المشروع كما هو إلي مجلس الشعب، وبذلك تكون الحكومة قد ضربت عصفورين بحجر واحد، الأول أنها نفذت ما أراده بابا الأقباط، والثاني أنها أوحت للرأي العام أنها شكلت لجنة وأنها بحثت وراجعت، وأصدرت قانونا دون ضغوط أو نزول علي رغبات أحد.
القانون القديم الذي باركه البابا شنودة قبل ذلك يتكون من 146 مادة، وهو عبارة عن خمسة أبواب بالتتابع: في الزواج وما يتعلق به، في النفقة، فيما يجب علي الولد لوالديه وما يجب عليهما، في ثبوت النسب، في انحلال الزواج.
أما عن التبني فقد خصص له القانون 14 مادة من المادة 129 إلي المادة 142، وتنص المادة الأولي منها علي أن التبني جائز للرجل والمرأة متزوجين كانا أو غير متزوجين بمراعاة الشروط التالية، وهي أن يكونا قد تجاوزا الأربعين، وأن لا يكون له أولاد ولا فروع شرعيون وقت التبني، وأن يكون حسن السمعة.
لقد تسربت إشارات إلي أن البابا يوافق علي إلغاء التبني من مشروع القانون الجديد، فقد فعلها من قبل ورفع مواد التبني من المشروع القديم، فالمهم عنده هو أمور الزواج والطلاق، لكن من يدري ففي ظل ضغط البابا الحالي يمكن أن يعاد النظر مرة أخري في قضية التبني، خاصة أن للبابا تصريحا سابقا، بأن التبني حلال في المسيحية، لكنه حرام في القانون المصري.
وما دام المقصود من قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي سيعد أن يكون مطابقا للإنجيل وألا يخرج عنه، كما يريد البابا، فيمكن أن يتم إقرار مواد التبني، طالما أنها ستكون موافقة لتعاليم الإنجيل التي أشار المتظاهرون في ساحة البابا بالكاتدرائية الكبري بالعباسية أنها فوق القانون.
في لائحة 38 كان القانون يبيح الطلاق لتسعة أسباب، هي الزني، إذا خرج أحد الزوجين عن الدين المسيحي، إذا غاب أحد الزوجين خمس سنوات متتالية بحيث لا يعلم مقره ولا تعلم حياته من وفاته بإثبات غيبته، الحكم علي أحد الزوجين بعقوبة الأشغال الشاقة أو السجن أو الحبس لمدة سبع سنوات فأكثر، إذا أصيب أحد الزوجين بجنون مطبق أو بمرض معد يخشي منه علي سلامة الآخر، خاصة إذا ثبت أنه غير قابل للشفاء، إذا اعتدي أحد الزوجين علي الآخر أو اعتاد إيذاءه جسميا يعرض صحته للخطر، إذا ساء سلوك أحد الزوجين وفسدت أخلاقه وانغمس في حياة الرذيلة ولم يجد في إصلاحه توبيخ الرئيس الديني ونصائحه، إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر أو أخل بواجباته نحوه إخلالا جسيما أدي إلي استحكام النفور بينهم وانتهي الأمر بافتراقهم عن بعضهما واستمرت الفرقة ثلاث سنوات، وإذا ترهبن الزوجان أو ترهبن أحدهما برضاء الآخر.
الأسباب في النهاية تحمل مسحة إنسانية، تتعامل مع الأقباط علي أنهم بشر لا آلات صماء تنفذ ما يطلب منها دون مشاعر، أما في القانون الذي اقترحه البابا ومعه الطوائف الأخري، فالأمر يختلف، ففي الباب الخامس الخاص بانحلال الزواج، يقضي القانون بانحلال الزواج بموت أحد الزوجين - وهذا أمر طبيعي ولا يحتاج إلي النص عليه - أو إذا ترك أي من الزوجين الدين المسيحي إلي الإلحاد أو إلي أي دين آخر، أو مذهب لا تعترف به الكنائس المسيحية كالسبتيين وشهود يهوذا والبهائيين.
ونأتي لنقطة الارتكاز في القانون، وهي المادة 114 التي تقول: يجوز لكل من الزوجين أن يطلب التطليق بسبب زني الزوج الآخر، وفي المادة 115 يأتي التفصيل نصا، تقول: ويعتبر في حكم الزني كل عمل يدل علي الخيانة الزوجية كما في الآحوال الآتية: هروب الزوجة مع رجل غريب ليس من محارمها أو مبيتها معه بدون علم زوجها وإذنه بغير ضرورة، ظهور خطابات صادرة من أحد الزوجين لشخص غريب تدل علي وجود علاقة آثمة بينهما، وجود رجل غريب مع الزوجة في منزل الزوجية بحالة مريبة، تحريض الزوج زوجته علي ارتكاب الزني والفجور، الشذوذ الجنسي وما ينطبق علي الزوجة ينطبق علي الزوج.
أغلب الظن - الذي هو ليس كله إثما هنا - أن مشروع القانون الجديد سيأتي موافقا لما جاء في القانون الجديد، وهو الأمر المزعج بالفعل، فقد كان هناك من يعترض علي موقف البابا شنودة من رفضه أحكام المحكمة التي تطلق الأقباط ليس لعلة الزني، لأن موقفه لم يكن قانونيا، أما الآن فالموقف سيكون قانونيا تماما، ولن يستطيع أحد أن يقول إن البابا فوق القانون، ببساطة شديدة، لأن القانون الحالي، وكما يراه كثيرون سيكون موافقا لاجتهاد البابا الذي يؤكد أنه موافق للإنجيل ضاربا عرض الحائط بكل من يعارضه أو يقدم اجتهادا لا يراه هو صحيحا.
لقد استطاع البابا شنودة أثناء إعداد مشروع قانونه في عام 1979 أن يجمع الطوائف المسيحية إلي جواره، وأن يحصل علي رضاهم، وقد وضعت في المشروع مواد خاصة بالمفارقة بين الزوجين الكاثوليكيين، منها المادة 123 التي تقول:إذا زنا أحد الزوجين أو استحكم الخلاف بينهما وأصبحت معيشتهما المشتركة مستحيلة أو متعذرة لمثلهما، يجوز بناء علي طلب أحدهما بالتفريق بينهما ووقف الحياة الزوجية، ويجوز أن يكون التفريق مؤيدا أو مؤقتا أو لحين زوال السبب المسوغ.
الأمر الآن اختلف كثيرا، فالطوائف المسيحية التي كان البابا شنودة يستوعبها ويسيطر عليها ويؤثر كثيرا عليها -علي الأقل لأنها تعتبر نفسها أقلية الأقلية - لم تعد كما كانت، أصبحت أكثر قدرة علي التعبير عن نفسها دون أن تحتمي بقوة البابا شنودة، وإذا كانت اللجنة التي شكلها وزير العدل تضم المستشار ملك مينا الذي هو ممثل الكنيسة الأرثوذوكسية وأحد واضعي المشروع الأول، فإنها تضم أيضا الدكتور إكرام لمعي ممثلا عن الإنجيليين، وهو يحمل رؤية مدنية لأمر الزواج والطلاق في المسيحية، وهي رؤية نضجت علي ظلال أن محاولة البعض - يقصد هنا الكنيسة الأرثوذوكسية بالطبع - لمنع الزاني من الزواج مدي الحياة أمر يتناقض مع تعاليم المسيحية، فالله يقبل التوبة فلماذا لا تقبلها الكنيسة.
رؤية إكرام لمعي يمكن أن تقف حجرة عثرة في طريق تنفيذ القانون كما يريد البابا شنودة، لكني لا أستطيع أن أؤكد أن الرجل أو غيره يمكن أن يفعل شيئاً، فقد أراد البابا شنودة، وبدلا من أن تعمل الحكومة علي إقرار قانون يتوافق مع دستورها وقوانينها وحاجات مواطنيها إعلاء من شأن الدولة المدنية التي تنادي بها، إذا بها تركع تحت أقدام البابا لعله يرضى