ذا كان العقلاء من الشرق الغرب قد أجمعوا أن الإنسان الفعال هو الذي يجعل مركز حياته وبؤرة اهتماماته تنبع كلها من القيم والمبادئ الصحيحة، فيا ترى من الذي يحدد هذه القيم والمبادئ؟

xml:namespace prefix = o /

ترى أهو الغرب المتقدم؛ لأنه هو الذين يمسك بزمام الحضارة اليوم؟! قد يقول بذلك البعض، ولكن الواقع يرينا أن مبادئ الغرب متناقضة تكيل بمكيالين، فهي لا تعمل إلا لصالحهم وتحقيق أطماعهم، فقيم العدل وحقوق الإنسان إنما تحترم إذا كانت تتعلق بهم وحدهم.

إن الحضارة الغربية الآن بعد كل ما حدث ويحدث منها في العالم الإسلامي قد سقطت أقنعتها الزائفة، حتى ما عادت تصلح أن تقدم للبشرية منهج حياة.

بل إن كل البشر لو اجتمعوا على أن يضعوا مبادئ ومناهج تحكم الإنسان لفشلوا فشلاً ذريعًا في ذلك؛ لأنهم جميعًا بشر، تعتريهم الأهواء والنقائص، وينقل الأستاذ سيد قطب رحمه الله عن الدكتور ألكسيس كاريل قوله: [ إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب لأنها لا تلائمنا، لقد أُنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية؛ إذ إنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس وأوهامهم ونظرياتهم ورغباتهم، وعلى الرغم من أنها أُنشئت بمجهوداتنا إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا ][1].

ويقول أيضًا: [ وهؤلاء النظريون يبنون حضارات بالرغم من أنها رسمت لتحقيق خير الإنسان، إلا أنها تلائم فقط صورة غير كاملة أو مهولة للإنسان، إن نظم الحكومات التي أنشأها أصحاب المذاهب في عقولهم عديمة القيمة، فمبادئ الثورة الفرنسية وخيالات ماركس ولينين تنطبق فقط على الرجال الجامدين، 'غير الأحياء أو المتحركين'،  فيجب أن نفهم بوضوح أن قوانين العلاقات البشرية ما زالت غير معروفة، فإن علوم الاجتماع والاقتصاديات علوم تخمينية افتراضية ][2].


إن الذي من حقه أن يضع للإنسان مبادئه ومنهج حياته هو الخالق سبحانه وتعالى؛ لأنه الأعلم بما يصلح خلقه:  [ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ] [الملك: 14]. 


إن الحضارة الغربية بكل بريقها الزائف لا تستطيع أن تكون منبعًا للقيم والمبادئ القويمة؛ ذلك أنها حضارة مادية بحتة، لا تلبي إلا جانبًا واحدًا من جوانب التكوين الإنساني، ألا وهو [المتاع الحسي]، أما [الروح] فلا يملك غذاءها إلا نحن المسلمين أصحاب الشريعة الوحيدة الباقية كما أنزلها الله تعالى، والتي ارتضاها الله عز وجل كشريعة خاتمة:  [ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ] [آل عمران: 19].

 يقول ابن القيم رحمه الله: [ في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له ولو أعطي الدنيـا وما فيها[3] لم تسـد تلك الفاقة أبدًا][4].

أما الغرب فمهما قدم من مبادئ وقيم؛ فإن ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب؛ ذلك أنها قيم مبتوتة عن الأصل الرباني, تفصل بين الدين والدنيا وبين الدنيا والآخرة.

وعلى ذلك نقول لك أيها المؤمن: إنك وحدك تملك مفاتيح الفاعلية الحقيقية على هذه الأرض، تلك الفاعلية التي تنطلق من مبادئ هذه العقيدة التي تنظر للدنيا والآخرة على أنهما طريق واحد موصل إلى الله تعالى، إنها الفاعلية الربانية التي تحقق لصاحبها السعادة في الدارين، وتصنع منه إنسانًا ذا طاقة جبارة قادرة على صنع الإنجازات الرائعة.


 


ولتنظر مثلًا إلى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، تلك الثلة المباركة التي كانت قبل إسلامها شرذمة من الأعراب ليس لهم أي وزن في حساب الأمم، وما أن تخلل نور العقيدة قلوبهم وجعلوا مبادئها في مركز اهتماماتهم وحياتهم؛ حتى تحولوا إلى عمالقة لم يعرف لهم التاريخ مثالًا، حتى أنهم أقاموا أعظم دولة عرفها التاريخ في أقل من ثلاثين عامًا.

وخلال عقدين متتاليين من الزمان كان المسلمون قد استوعبوا علوم جميع الحضارات الأخرى، ثم طوروها وقعَّدوا وأصَّلوا لها، بل واكتشفوا كثيرًا من العلوم الأخرى حتى بلغوا في عصر الخلافة العباسية قمة العلم والحضارة، ووضعوا الأسس التي تلقفتها أوروبا بعد ذلك وصنعت منها النهضة.

من أجل ذلك أيها المؤمن، فإنك أنت وحدك المؤهل لتسلم زمام القيادة؛ لأنك وحدك الذي تملك القيم الحقيقية الموصولة برب البرية.

أما الحضارة الغربية، فإنها رغم بهرجها الزائف فإنها آيلة للسقوط؛ لأنها لا تملك رصيدًا حقيقيًّا من القيم والمبادئ الصحيحة، والتي تمثل الضمانة الحقيقية لقيام واستمرار الحضارات.

ومن هنا يأتي تفرد المؤمن المتصل بربه تبارك وتعالى؛ إنه يملك ما لا يملكه الآخرون، إنه يملك المنهج الرباني الصالح لكل زمان ومكان.



[1] [الإنسان ذلك المجهول]، د. ألكسيس كاريل، ص [38]، نقلاً عن [الإسلام ومشكلات الحضارة]، الأستاذ سيد قطب رحمه الله، ص[111].

[2] المرجع السابق، ص [112].

[3] هذا الذي جعل بلدًا كالسويد تعيش في قلق وحيرة، مع أن الشعب السويدي هو الشعب الوحيد الذي يعيش في مستوى اقتصادي يشبه الأحلام، ولا يكاد يوجد في حياتهم خوف من فقر أو شيخوخة أو بطالة، ومع كل ذلك فالناس تحيا حياة قلق, كلها ضيق وتوتر وشكوى وسخط وتبرم ويأس, حتى كانت    النهاية الانتحار, [صناعة النجاح] د. طارق السويدان والأستاذ فيصل باشراحيل، ص [39]، نقلاً عن [الإيمان والحياة]، د. يوسف القرضاوي، ص [67، 68], [بتصرف].


[4] [صناعة النجاح]، د. طارق السويدان والأستاذ فيصل باشراحيل، ص [40]، نقلاً عن [الإيمان والحياة]، د. يوسف القرضاوي، ص[78].