«أنت تتحدث عن أخطاء فردية ربما تكون قد تأثرت بها في محيطك، ثم تقوم بتعميمها على تيار كامل تحمله وزرها، لكن ليس كل ما ذكرت في السلفية ينطبق على كل شيوخها.. ثم إنه من بين من هم غير سلفيين من تلبسوا ببعض ما أخذته على السلفيين، وفوق ذلك، فإن مآخذك كلها ذات طابع شكلي لا يستدعي منك الحمل عليهم بهذا الشكل وقد كان منهم فضلا لا ينكره أحد».  (مجموعة من المنتمين للنمط).
الحقيقة أن شكلية الأخطاء التي استعرضناها، وعدم انتظام ظهورها في النمط السلفي، أي خلو بعض النمط من بعضها أحيانا، وظهور بعضها خارج النمط أحيانا أخرى، هذا كله أمر متوقع ولا يتعارض أبدا مع ما ذهبنا إليه، حين نتحدث عن إرادة «مغادرة المجتمع» وما يتصل بها من أعراض فنحن لا نتحدث عن (شروطا معلنة) للانضمام للنادي السلفي بحيث لو تخلف أحدها يفقد العضو سلفيته، بل نتحدث عن (نزعة نفسية مضمرة) تواكب بيئتها بنوع من المرونة، وتتخلى عن بعض أعراضها لصالح البعض الآخر إذا ما اقتضت ضرورة وجودها ذلك.
لكن على أي حال، ليس لكم خيار في أن تعترفوا إذا بأنه طالما أن تلك الأعراض محدودة فهي بالضرورة موجودة. وطالما أنها موجودة فهي تدل على معنى وتنشأ عن دافع. ولي الحق بعد ذلك أن أفترض أن الأعراض، بفرض عشوائيتها، إنما تدل على نزعة ثابتة مستقرة تعرف مقاصدها، وبفرض محدوديتها المزعومة، فهي تدل على دافع هو أكثر شيوعا من أعراضه، وأكثر خفاء منها.
أما الحديث عن شكلية الأعراض، فقد صدر عن قصور في الفهم أدى بصاحبه إلى الخلط بين (شكلية) الظاهرة و(عدم أهميتها)، إننا لم نقف عند ظواهر تافهة، لكننا وقفنا أمام ظواهر شكلية، وشكليتها مهمة ومقصودة بالنسبة لمن صدرت عنهم، وقد ذكرت أن نمط مغادرة المجتمع (مهتم) بالشكل لأنه هو ما يؤدي له وظيفة (الاختلاف). فالتفاهة إنما تعود إلى المهتمين بالشكل لا إلى من يفحصهم. والمقصود أن هذه المظاهر التي استعرضناها لا تعنينا في ذاتها أبدا، بل كل ما يعنينا هو ما تدل عليه من (قرار داخلي) متعلق بالانسحاب من المجتمع، وإلا فهل ضمنت لنا تلك النزعة الدخيلة أنها لن تزعجنا إلا بأمور صبيانية تافهة؟
إن خطورة إرادة «مغادرة المجتمع» لا تكمن فقط فيما تشرئب من خلاله من سلوكيات، لكنها تدل على انعدام إرادة «تغيير المجتمع» أصلا، فإرادتي مغادرة المجتمع وتغييره لا تتواجد أحدهما إلا بمقدار ما تضمحل الأخرى. ولقد تكاملت إرادة «مغادرة المجتمع» واستقرت في النمط السلفي حتى صار تغيير المجتمع هو أمر لا يعنيهم في شيء، وإليكم هذه العبارة المشؤومة التي ذكرها «الألباني» والتي تدل دلالة صارخة على مقصودنا، يقول: «ان هذا الطريق طويل ونحن نمشي فيه مشي السلحفاة لا يهمنا أن نصل ولكن المهم أن نموت على الطريق»، لقد قام الألباني بهدم فكرة النجاح تماما، إذ أن ذلك النجاح يعلنه الواقع، في الوقت الذي أخذ فيه الألباني على عاتقه مهمة الانفصال عن ذلك الواقع، لذلك لم يكن عقم الدعوة السلفية عن الإثمار طيلة عقود من الزمان أمرا مزعجا، طبعا باستثناء تضخم حجم النمط واستغراقه في المسائل العلمية، بل على العكس من ذلك، كان مصدر إزعاجهم دائما هو أي خطوة من شأنها تغير حالة العقم التي كانوا وما زالوا عليها. فلم يكونوا يكشرون عن أنيابهم إلا أمام أي تقدم إسلامي حقيقي، فلم يروا من أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلا أنه قتل للأبرياء، حتى العلميات الاستشهادية كانت بنظرهم انتحارا، حتى الجهاد الأفغاني الذين لم تسعفهم قريحتهم بتجريمه من أي ناحية، صمتوا عنه صمت الشيطان الأخرس، ولم يدعموه ولو بكلمة. حتى الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل، امتنعوا عن تأييده وشنعوا عليه، أما من أيده منهم مجاراة للشباب الأقل إصابة بالنمط السلفي، كان يضربه في ظهره.
وإلى لقاء آخر مع النمط السلفي، نستعرض فيه مزيدا من المخاطر التي يصدر عنها إرادة مغادرة المجتمع، حيث سنجيب بمشيئة الله عن هذا السؤال: ما هي علاقة مسألة «ولي الأمر» عند السلفيين بإرادة مغادرة المجتمع؟ وكيف أسفرت هذه الإرادة عن تلك الفكرة؟ رغم أنها لا تحقق للنمط أي اختلاف عن المجتمع كما تفترض، بل كانت تبدو وكأنها تجعلهم أكثر شبها بالمجتمع من حيث سلبيته تجاه السلطة؟ وهل زالت ضرورة الحديث عن تلك المسألة بزوال السلطة الظالمة، أم أن الأمر له أبعاد أخرى تجعل دراستها أمرا ضروريا.