زيوس والرئيس مرسى!
وجدان العلي
عندما سُئل بعض العلماء بالأدب عن السر فى شهرة أبى الطيب المتنبى وبقائه فى دنيا الأدب بقاء القدر الذى لا دافع له، قال: لأنه يتحدث بخواطر الناس وما فى نفوسهم!

وتلك كلمة صادقةٌ مبينةٌ عن بعض السر الذى جعل أبا الطيب حرفاً مغايراً فى زحام الألسنة والأقلام، وكان مما قال أبوالطيب:

ومن تَخِذَ الرئبالَ بازاً لصيده

تصيده الرئبالُ فيما تَصَيَّدا!

والرئبال هو «الأسد»: أى من اتخذ خصماً له وسيلةً إلى بلوغ مطامعه، سينقلب عليه هذا الخصمُ يوماً ويجعله صيداً له!

وهذا أمرٌ ثابت فى النفس الإنسانية: أنك لكى تصل إلى هدفك لا بد من استقامة سيرك، واصطفاء من يحمل معك الهم بصدقٍ، بعيداً عن المآرب الذاتية والمطامع الشخصية التى لن تجعله يوماً متورعاً عن الانقلاب عليك، والهتاف ضدك، والسعى فى إفشالك وتعطيل سيرك وتقييد حركتك.

ولهذا لم يكن كشفاً مثيراً للدهشة عندى أن تكتب الجارديان فى الثامن من هذا الشهر أن الهدف لم يكن فى الوصول إلى دستورٍ توافقى، ولا فى إعادة تشكيل التأسيسية، بل القضية كلها فى شخص الرئيس نفسه!

فهذا الهدف واضحٌ لا يشغلنى عنه جدلية: رأيى فى هذا الدستور الذى مدحه كثيرون وقدح فيه كثيرون -شأنَ كل عملٍ بشرىٍّ-، ولا هل تلم سَلْقُه -وهو الذى أخذ ستة أشهر من النقاشات والجلسات بينما كان أحد الرموز السياسية المعترضة على الدستور يصرح سابقاً بأن ثلاثة أشهر كافية!- ولا أن أجيب: هل أخطأ الرئيس أم لا؟ فليست القضية فى أنه يخطئ، وهو يخطئ يقيناً، بل الشأن فى أن هذا الخطأ سيُتيح مجالاً لمخلب «الرئبال» كى يغرسه فى عنقك، وسيمد جسوراً لخطوات السعى فى هدمك، وسط الحشد الإعلامى الذى يقلب الضحية جانياً، والقتيلَ مجرماً، وحرائقَ النار عملاً ثوريًّا مصحوباً بالتصفيق و«المباركة»!

وهذا كله من تبعات البحث عن سراب التوافق الذى يذكرنى بصخرة «سيزيف» فى الأسطورة الشهيرة؛ إذ تظل الصخرة على كتفه، صاعداً بها من أسفل الجبل، حتى إذا وصل إلى أعلاه تدحرجت الصخرة إلى أسفل الجبل مرةً أخرى، فينزل لكى يعيد الكَرَّةَ بحملها إلى الأعلى، فتسقط ثانيةً وثالثةً ورابعةً إلى الأبد!

لن يُسمح لك أن تُتِمَّ الصعود، ولا أن تستكملَ البناء، فالمنتمون لزيوس-وهو الذى عاقب سيزيف هذا العقاب- لن يرضوا بشىء، وها أنت ترى «زيوس الجديد» يحدثنا عن الدستور الذى لا يعترف بالهولوكست، ولا يسمح للبوذية «المضطهدة»، ببناء معبد لها، وهى -ياللسخرية القاتلة!- التى تحرق مسلمى الروهينجا أحياء!

والمعضلة التى أثمرتها تلك المواقف المنكرة، أن صوت المعارضة «الحقيقية» التى تهدف إلى البناء ولا تتعدى على «الشرعية»، صار مطموساً وسط سوق النخاسة السياسية التى لا تكف عن التحريض والشتم وسفك الدم!

بينما أنتَ فى حاجةٍ إلى تلك المعارضة القوية الراسخة بجذورها فى تربة هذا الوطن، تُقَوِّمك، وترشدك إلى أخطائك، وترجو لك الخير، وتعينك على إنجازه، وتنأى عن التطبيل والموافقة ليل نهار.

قوتك الحقيقية بعد الاعتماد على الله، أن تثق بهذا الشعب، وأن تنحاز إليه فى قراراتك، وأن تكون «متوافقاً» معه فى شأنك كله، وأن لا تنشغل كثيراً بالوجوه التى صُنِعَت فى الاستديوهات وليس لها رصيد حقيقى عند رجل الشارع المصرى!