نداء إلى جميع أولياء الأمور
إبراهيم بن صالح الشيزاوي
قال سبحانه :
( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ...
نداء إلى جميع أولياء الأمور للاستيقاظ من غفلتهم عن تربية أبنائهم تربية صحيحة ،
والاعتبار بمصائب الغير وشكر النعمة ، فنجد اليوم فئة لا يستهان بها من ( أولياء
الأمور ) لا يهتمون بأبنائهم ، وفلذات أكبادهم وبناتهم آلا في مسائل الأكل والشرب ،
والسكن ، والكسوة ظنا منهم أن هذا فقط هو المطلوب ، ولاشيء غيره مرغوب، في حين أنه
لا يكون بهذا وحده صلاح الأرواح والقلوب ، فهنالك جوانب أخرى تحتاج إلى الاهتمام
والالتزام ، وإهمالها في حق الأبناء والبنات ظلم وحرام ، كالتربية على الكتاب
والسنة ، وتنشئتهم على الأخلاق الحميدة ، والعادات الفاضلة والتليدة .. وهذه
الجوانب يهملها الكثير من الآباء والأمهات وأولياء الأمور فنشأ اثر ذلك جيل مسخ لا
يهتم ، ولا يراعي الااب والدين ( الامن رحم ربي ) ..
وأنا لنرى و نشاهد في بعض العوائل أن الابن مثلا ان تأخر عن أكل وجبته ، أو شرب عصيره تقوم عليه القيامة في بيته ، فينهره والده ، وتزجره أمه ويحرضاه أشد التحريض على ذلك ، وكأنه ترك طاعة أو أتى معصية ، أما ان ترك صلاة ، أو لم يحفظ سورة من كتاب الله ، أو عمل ما يخالف شرعه وهداه ، فصم بكم عمي لا ينصحان ولا يزجران ، فان نام الولد عن صلاة الفجر فذلك حق له للنوم والراحة، لكن ان حاول النوم عن موعد الدراسة فلا راحة ولا استراحة ، فالاستيقاظ عليه واجب ، وان سحب من على سريره من الشعر والحاجب .
عموما فهم يهتمون بالجوانب المادية ويهملون الروحية ، ويعدونه لمستقبل زاخر في الحياة الدنيوية ، ويهملون إعداده للحياة الأخروية ، والله يقول في كتابه: ( قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ) ولم يقل جوعا ، فقد تعهد برزقنا وإياهم فقال : ( نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) ، ومنهم من يريد كما يقول المثل ( أن يكحل عينه يقلعها ) فيوفر لأبنائه كل ما يتمنون ويشتهون ولا يسألهم عن من يصاحبون ، ولا ينظر ولا يتحرى ان كانوا يصلحون أو يفسدون ، فاذا انحرف الابن أو البنت ، ووقع في ما يوجب التعزير و العنت ؛ كأن يدمن المخدرات ، ويرتكب السرقات ، يدخن السجائر وينحرف ، وأخلاقه تتطاير ، قال ولي الأمر : كيف حصل هذا ؟ وما السبب ؟ ألم أوفر له كل ما يشتهي ؟ وما يطلب ويبغي ؟ والجواب : بلى ، فعلت ، ولكنك لم توفر له التربية الصحيحة ، والنصح والإرشاد والمتابعة حتى سقط وأسقطك معه في الفضيحة .
هذا ومن المظاهر السيئة التي نشهدها في مجتمعنا أن نجد بعض الصغار و المراهقين يصاحبون من هم فوق العشرين والخامسة والعشرين و الثلاثين ويدعون من هم في سنهم من أصحابهم وأقرانهم ! فيتسبب ذلك في فساد أخلاقهم , وعقوقهم لآبائهم وأمهاتهم ، وقد يكون من بين هؤلاء الكبار مربين فاضلين هدفهم إصلاح خلل الآباء ،و إصلاح نهج الآباء ، ومحاربة الداء بالدواء فهؤلاء لا تقصدهم بالكلام ، ولا نواجههم بالملام ، ولكن الكلام هنا ضد أولئك الذين هم كالأنعام ، والذين جانبوا الأخلاق والاحترام ، وقاربوا العصيان والحرام ، واتخذوا من صغار السن أقرانا لهم وهم أكبر منهم بالكثير من الأعوام ، ومن هؤلاء ذئاب بشرية ، يهجرون الفضيلة ويرضون بالدنية ، فيوقعون الصغار في فخاخهم ويسببون في انحرافهم ، ويشبعون بهم رغباتهم ، وقد يظهرون للوصول الى ذلك انهم ذوي خلق وأدب ، ويحسنون التعامل مع أولياء أمور من كان عليهم الطلب فالحذر الحذر ، فهؤلاء بلاء وخطر .
وأخيرا وليس آخرا نعرض في هذه العجالة لكل ولي أمر
بعض النصائح والحلول لرفع مستوى الأبناء والبنات أو من هم تحت ولايته لما فيه الخير
والمصلحة دنيا وآخرة :
1-
أن يحس ولي الأمر ويدرك حجم مسؤوليته تجاه أبناءه ومن هم تحت ولايته فهو مسؤل عنهم
أمام الله يوم القيامة ومحاسب على ذلك ، أن يجعل ذلك واقعا عمليا محسوسا . عن ابن
عمر( رضي الله عنهما ) عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( كلكم راع وكلكم
مسؤل عن رعيته ن والأمير راع ، والرجل راع على أهل بيته ، والمرأة راعية على بيت
زوجها وولده ، فكلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته ) _ متفق عليه .
2-
أن ينشئ ولي الأمر أبنائه وبناته أو من هم تحت ولايته على الكتاب والسنة ، فيحفظهم
في الصغر على كتاب الله وأحاديث رسول الله ، ويحثهم على الانتهاج بنهج الكتاب
والسنة في الكبر ويثبتهم عليه قال تعالى : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) .
3-
أن ينشئ ولي الأمر أبناءه وبناته أو من هم تحت ولايته على العلم الشرعي ، ويعلمهم
كل ما يلزم وينفع من أمور دينهم ، ودنياهم ، وآخرتهم ليكونوا قادرين على الاستقامة
على النهج الصحيح ، وقادرين على التمييز بين الصواب والخطأ وبين الحق والباطل قال
تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً )
قال سفيان الثوري (رحمه الله) في تفسير هذه الآية : ( أي علموهم وأدبوهم ) وقال
الضحاك ومقاتل (رحمهما الله) : ( حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وامائه
وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه ) .
4-
أن يكون ولي الأمر قدوة حسنة وصالحة أمام أبنائه وبناته ومن هم تحت ولايته ، فلا
يأمرهم بخير آلا ويكون قد أتاه ولا ينهاهم عن شر آلا ويكون قد اجتنبه ، وليس كما
قيل : (طبيب يداوي والطبيب عليل) فيامرهم ولا يفعل ، وينهاهم ويأتي بما نهاهم عنه
فان في ذلك حطر عظيم قال تعالى : ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ )
– قال بن كثير – رحمه الله : ( انكار على من يعد وعدا او يقول قولا لا يفي به ) .
5-
ان يحث ولي الأمر أبناءه وبناته ومن هم تحت ولايته على آداء العبادات والطاعات ،
ويزجرهم على تركها فان في ذلك خيره وخيرهم ، قال ( صلى الله عليه وسلم) ( مروا
الصبي بالصلاة اذا بلغ سبع سنين ، فاذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها – أي اذا تركها
- ) رواه الترمذي وابو داوود واللفظ له .
6-
أن يتعهدهم بالنصيحة ، والتوجيه والإرشاد الدائم والمتكرر ليكون عندهم بذلك مناعة
ضد الانحراف والسقوط الى الهاوية ، قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( الدين النصيحة
)- حديث صحيح – هذا ولينصحهم باسلوب فيه الرقة واللين قال تعالى (وقولوا للناس
حسنا) ، وان لا يغلظ عليهم آلا في ما يحتاج الى ذلك ويتطلبه ، وان لم ينفع نصحه او
خشي آلا يعملوا به دفع اليهم باحد الصالحين الموثوقين لينصحهم ويفهمهم فيتثبتون
ويعودون ولا يعيدون
7-
أن ينظر مع من يجلسون ، ومن يرافقون ، ويصاحبون فينهاهم عن المفسدين الفاسدين ،
ويحثهم على الصالحين المصلحين ، وان يبين لهم فضل مصاحبة أصحاب الخير ، وأصدقاء
الوفى والتقى ، وأن يحذرهم من شر مصاحبة أصحاب السؤ ، وأصدقاء الشر والهوى ، فيكون
في ذلك نفع لهم دنيا وأخرة قال سبحانه : ( الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو آلا
المتقين )
8-
أن ينظر فيما فيه صلاح لهم بالدنيا والآخرة فيأتي به ، وفيما فيه مضرة لهم في
الدنيا والاخرة فيمنعهم عنهم ويمنعهم عنه ، وان تضارب في الشيء مصلحة الدنيا بمصلحة
الاخرة قدم مصلحة الاخرة واخّر مصلحة الدنيا فيأتي به أو يرده ، هذا ويتجنب اعطائهم
كل ما يشتهون دون مراقبة ولغير مصلحة ، وكذلك لا يمنع عنهم ما يطلبون ما لم يكن فيه
مضرة ، وليعودهم على الصبر ، وينشئهم على سيرة خير البشر (صلى الله عليه وسلم)
وأصحابه والصالحين والصابرين المؤمنين
هذا ، وعسى الله ان يصلح لنا ابنائنا واخواننا وسائر ابناء المسلمين ويهدينا
ويهديهم الى الصلاح والفلاح انه سميع مجيب ....