أذن العصر فانتفض مرسي من قيلولته مسرعا ليتوضأ وفي باله تتصارع الأبيات الشعرية, وتتنافس فيما بينها أيها سيخرج أولا لتعلو حجته وتنتصر قريحته وحافظته على صاحبه حازم بعد الصلاة , تطهر طهورا كاملا ثم نزل من بيته إلى المسجد الجامع ليرمق حازما جالسا في مصلاه ينتظر الإقامة , فتبسم مرسي ابتسامة تحمل في طياتها أن لأفحمنك اليوم يا حازم, فخلع مرسي نعله ودخل المسجد  قائلا: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله , اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك, اللهم انصرني اليوم على حازم فلطالما غلبني بسريع بديهته وحضور ذهنه واتساع حافظته...

بعد دقائق يرتفع صوت الإمام .. السلام عليكم ورحمة الله , السلام عليكم ورحمة الله.. ليقعد الصاحبان يذكران الله بما ورد بعد الصلاة..
ما أتم مرسي ختم الصلاة حتى التفت إلى حازم قائلا: اليوم يومي يا بطل , هيا قم إلى ما لا طاقة لك به , فإن ساقيتك اليوم قد لاقت بحرا عرمرما..
وليكن أهل المسجد حكاما بيننا , فقال حازم : نعم الحكم والقاضي أهل صلاة الجماعة.. فتحلق الجميع وقدم أهل المسجد شابا عاقلا يدعى همّاما ليكون حكما بين الخصمين.
فقال مرسي ( التوافقي ) :مالي أراك تستعجل في طلبك كن حليما متأنيا يا رجل أتريد أن تنتقل من حكم الطاغوت إلى إقامة الخلافة بل واسطة؟ ألم تسمع قول الشاعر :
قد يدرك المتأني بعض حاجته *** وقد يكون مع المستعجل الزلل.
فما قولك يا حازم في هذا البيت الحكيم لله در من قاله ؟
فرد حازم  : هلا تلوت البيت الذي يليه يا مرسي؟
فتنحنح مرسي وقال : لا أحفظ غيره له , فقال : حازم البيت الذي بعده هو :
وربما فات بعض القوم أمرهم *** مع التأني وكان الرأي لو عجلوا.
فليس كل تأن محمودا يا مرسي يا صاحبي , كما أنه ليس كل تعجل مذموما ,
قال مرسي : حسنا يا حازم , وليكن كذلك , لكننا اليوم لا نقوى على مجابهة الأعداء برئيس سمته إسلامي , وخذ هذا السهم الشعري من كنانتي :
ودارهم ما دمت في دارهم *** وأرضهم ما دمت في أرضهم.
فقال حازم : أي أرض يا رجل تتحدث عنها , وكأنك تحدثني عن أرض العم سام ,
ألم يمر بك قول الشاعر :
فالجوُّ جوِّي إنْ أقمْتَ بغِبْطةٍ *** والأرض أرضي والسَّمَاءُ سَمَائِي
أم أنك كما قال الشاعر :
إني لفي الدار وفي ***الدار عن القلب اغتراب.
قال مرسي : لم أقصد هذا يا صديقي ولكني قصدت أنك لا تدري ماذا عساه يكون لو سارعنا إلى انتخاب رئيس إسلامي ووليناه أمرنا  وكما قال الشاعر :
ولا تعجل على ما لست تدري *** فإنك سوف تدري بالتأني.
 قال حازم : وما أدراك يا مرسي إذا تأنيت اليوم , ألا تعجز غدا , وأنت اليوم قادر , وغدا الله أعلم بحالك ..
بادر بخير إذا ما كنت مقتدرا *** فليس في كل وقت أنت مقتدر.
رد مرسي قائلا : يا الله , افهمني يا حازم, لماذا تفترض لنا حظا عاثرا , الأمر وما فيه أننا نحسب الخطوات وندقق في الحساب ولا تعجل على رزقك يا أخي .
الرزق يأتي قدرا على مهل ** والمرء مطبوع على حب العجل.
قال حازم : هذا صحيح , ولكن الفرصة إذا سنحت وجب اقتناصها , وكن كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما قال :
إذا هبت رياحك فاغتنمها** فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها ** فما تدري السكون متى يكون.
فطأطأ مرسي رأسه , وواصل حازم حديثه وقال : ألم تسمع لقول الآخر:
متى يبعث الدهر مثلي لكم ** ألا إنها فرصة تُغتنم.
يا مرسي أما إني لأخشى أن تقول يوما :
هي فرصة سنحت ولم يك نافعا *** ندم يفت القلب بعد زوالها.
وهنا حيث انقطعت حجة مرسي , أعلن همّام انتصار حازم ..
وحينها تقدم إليه أهل المسجد مهنئين, لكن مرسي استوقفهم قائلا :
رويدكم فهل بالشعر وحده تعقدون النصر , وتبذلون المهر ؟
اسمعوا يا أهل صلاة الجماعة , أما إني لأدعو حازما إلى جلسة أخرى تتبارى فيها المقاصد والأصول , ويتحكم فيها قواعد المنقول والمعقول .
فتوجهت أنظار الجماعة إلى حازم ينتظرون رده , فتبسم حازم وقال بلسان المعجب , ونعم المطلب ... ولتكن المناظر في نفس المكان في مثل اليوم من الأسبوع المقبل , وانصرف حازم ومرسي أخوين متحابين ومعهما أهل المسجد والكل يترقب وينتظر الموعد المضروب والمجلس الوعود.