كُودُوكُو-شِي !!

 


إسلام أنور المهدي

 

كُودُوكُو-شِي !!
 
(1)
 خيال ياباني!!..


المشهدُ الأوّلُ:

إنّه الزلزال.. كل شيءٍ يهتزّ!!..

الشبّان داخل مبنى الجامعة والجدران تتصدّع والسقف يهوي قطعةً قطعة..

صوتُ أزيز هائل يملأ الكون؛ إنّه المفاعل يوشكُ أن ينفجر!!..

نظر كونان، وميتسو، وچينتا إلى بعضهم برعب؛ ثم أعطى كلٌّ منهم ظهره لصاحبه وانطلق في ذعرٍ إلى ما ظنّ أنّه يُنجيه!!..

المشهدُ الثاني ( بعد فترة ):
كونان: في ملجأ محصّن وقد تعرّف على ناجين آخرين فرّوا إلى الملجأ كما فرّ..

جينتا: ميّتًا بين جُثث الذين فرّوا من الزلزال إلى داخل قاعة الدرس أثناء تساقط أركانها!!..

وميتسو: ملقىً في الغابة و قد أكل الذئب رأسه!!..

ميتسو عَانَى ( الموتَ وحيدًا = كودوكو شي ).. فما شأن كونان وچينتا ؟؟!!..



***
(2)
ليست كلّها أوزار قادة !!..


عودة إلى مصر.. إلى داخل الصف الإسلامي تحديدًا!!..

فقد زلزلت أحداثُ يناير وما تلاها إلى اليوم وجدان الكثيرين؛ ففقد أناسٌ ثقتهم في جماعاتهم وامتد اهتزاز البعض ففقدوا ثقتهم في مناهجهم التي طالما انتحلوها..

فمنهم من شذّ على غير هُدى فأكله الشيطان كما أكل الذئبُ ميتسو..

ومنهم من انفرد عن قادته يبتغي ملجأً آمنًا وقيادة أخرى كـ كونان..

و منهم من ازداد التصاقه بجماعته خوفًا من مصير كمصير ميتسو ؛ فمات أيضًا لكن في صُحبة كـ چينتا!!..

كثيرون داخل الصفّ الإسلامي ؛ سواء القادة أو الأتباع يرفضون التغيير أو تعديل المسار أو الإصلاح..

وسأتكلم عن رفض الأتباع وأترك رفض القيادة؛ فرفض القيادة قد لا يعنينا إذا استجاب الأتباع؛ لأنهم باستجابتهم سيشكلون جمهور ضغط  داخلي تنصاع له القيادة.
 
ولا يعنينا أيضًا إذا كان رفض الأتباع لتعديل المسار مبنيًا على رسوخ في العلم أو عمق نظره؛ فالخلاف السائغ معذورٌ صاحبه ولا يُفسد لودّ قضية.
 


***
(3)
فوبيا ..
لقد ناقشتُ عددًا لا بأس به من القياديين الشبّان في الجماعتين الإسلاميتين الكبيرتين بمصر: الإخوان والدعوة السلفية؛ فوجدت البعض في رضًا عن قرارات قادته والبعض في سَخَط.
 
الغريب أن عددًا كبيرًا من الساخطين كان يظهر الوفاق والتعاون والطاعة لقادته!!..
 
سألتُ أن : هل هذا من باب النزول على رأي القائد درء للاختلاف مع اعتقاد سواغ الخلاف؟
فوجدتُ أن الإجابة : لا بل أعتقد أن ما يجري خطأً لكن أخشى أن يتم إقصائي وأترك وحدي.

إنّه الرُّهاب إذًا وليس الحرص على رأب الصدع وجمع الشمل!!..

إنه رُهاب الموت وحيدًا = كودوكو شي فوبيا!!..

ذلك الرُّهاب الذي جعل ميتسو – في القصة بعاليه – يفضّل الموت مع أقرانه على محاولة الوصول لملجأ آمن كما فعل كونان!!..

ألهذا الحد تقوم حكوماتُ ظلٍّ داخل الجماعات بدور أمن الدولة ؛ فيُرهب الأخ أخاه ويقمعُه!!.. ألهذا الحد صار الإقصاءُ والمنعُ والعزلُ سيوفًا مُسلطة داخل الجماعات لوقف الاعتراض على السياسات العامّة؟؟!!..

لقد ناقشتُ أحدهم دافعًا له ليكون جُزءا من جبهة ضغط داخلية تدفعُ لتغيير توجّه الجماعة ناحية ما يعتقدون فقال لي بالنصّ: (سنُهرَس)!!..

لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلُّهمُو  ..   الجودُ يُفْقِرُ والإقدام قتـَّـال
 


***
(4)
وباء !!..

إن اليابانيين يعانون وباء يجتاحهم بعد الهِزّاتِ هو الموت وحيدًا (كودوكو شي) حين يفقد الشريد البوصلة فيموت وحده..

بينما نحن داخل الصفّ الإسلامي نُعاني رُهاب الموت وحيدًا (كودوكو شي فوبيا) حين يلتصق الصحيحُ بمصابي الوباء ولا يُحاول الهرب؛ فيلحقهم إلى مصيرهم المحتوم..

فلا هو أصلح ما يراه خطئًا، ولا هو تحرّف لنضالٍ آخر، ولا هو تحيّز إلى فئة.. بل ولا مات حين مات - شهيدًا!!..

لقد خان هذا الكادر أول ما خان جماعته!!.. فعجزه عن الوقوف ضد التيار لا يُسقط عنه وجوب الصدع بالحق. وخوفه من إخوانه أو خوفه على مكانته ليس اضطرارًا يُعتبر شرعًا ليسكت ويسير في ركب يعتقد انحرافه عن جادّة الصواب.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لَا يَحْقِرْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟ قَالَ: (يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالٌ ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِي كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ : خَشْيَةُ النَّاسِ، فَيَقُولُ : فَإِيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى).

كنتُ أرجو أن يكون خوف من يحقر نفسه من عدوّه؛ لكن أن يخشى الساكتُ من أخيه أو من شيخه كما أرى الآن!!.. أن يخشى من الوَحدَة التي سيعانيها إذا اعترض أو ناقش برفضٍ وممانعة!!.. ما أبخس ما باع به الحق!!..

حُبُّ السلامةِ يَثْني عزمَ صاحبهِ  ..   عن المعالي ويُغري المرءَ بالكسلِ
 


***
(5)
سأحيا كريمًا !!..

أن ترى العسكر يديرون الجماعتين الكبيرتين عبر لعبة ثعلبيةٍ كبيرة، وأن ترى القادة يرضَون بهذه الإدارة الماكرة أو يغفلون عنها، وتراهم يطعنون بأيديهم مَوَاطِن القوى داخل جماعاتهم ويُفكِّكون أذرعها الفاعلة.. ثم تسكُت؛ ليس خوفًا من العسكر بل من مشايخك وإخوانك؛ فأي حقارة وضعت نفسك فيها كما في الحديث.

لقد قدّم العلامة أحمد شاكر مقالاته في كتابه (كلمة الحق) بهذا الحديث لعظم دلالته على مضمون الكتاب؛ فأين أنت أيها الكادر الإسلامي الذي عانى الاضطهاد والقهر سنينًا من كلمة الحق!!..

لقد كان ولا يزال في المسلمين من يقول كلمة الحق في وجه السيوف والرصاص والقنابل!!.. فأين أنت من قول الحق أمام غضبة شيخك أو إقصاء إخوانك لك؟؟!!..

أتحسب أن سكوتك محافظة على مكانتك الدعوية  أو استدفاعًا للـ (هَرس) سيجني لك عزًّا وخيرًا؟

لا يكُن شعارك (سأحيا ذليلاً)!!.. أو وفق الحديث بعد سكوتك يكون شعارك (سأحيا حقيرًا)!!.. إن كلماتي لك أيها الكادر -المعترض باطنًا المتعاون ظاهرًا- ليست طلبًا لدفعك للاعتزال ولا لمهاجمة أهل الفضل عليك؛ وكذلك ليست لتحميلك المسؤولية كلها وتبرئة القيادات الكبيرة من مسؤوليتها عن انحراف جماعاتها..

ولكن كلماتي إشراكٌ لك -ولغيرك من القيادات الصغيرة الساكتة الخائفة- في مسؤولية  لانحراف.. وبيانٌ لصعوبة الضغط الداخلي بسبب ذلك المرض المستشري (كودوكو شي فوبيا) أو رهابُ الموت وحيدًا – ولا موت معنوي أشد من الوَحدة-..
 


***
وختامًا..
اعلم أخي الرَّاهب من الإقصاء؛ أن خوفك قد ضلّ سبيله!!..

فإنما ينبغي أن يكون خوفك الحقيقيّ إذا أكرمك من تراهم على خطأ سواءًا كانوا أعداءك أو إخوانك؛ قال الثوريُّ رحمه الله: ) ما أخاف من إهانتهم لي، إنما أخاف من إكرامهم لي فيميل قلبي إليهم).. فأنت اليوم معترض في السرِّ غدًا يتشرب الانحرافَ قلبُك.

أخي.. لا تخف من الإقصاءِ، فالكبتِ، فالموتِ وحيدًا.. ولكن خفْ ممّن سيُبكّتك بقوله: (فَإِيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى)..

كتبتُ هذا لك.. لكلّ من هذا حالُه فلستُ أقصد أحدًا بعينه.. هو لك إذا مسّ حالَك وسكوتك!!.. كتبته لك فأرجو أن يفتح اللهُ له قلبك؛ واللهُ وليُّ المؤمنين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.