فتح القسطنطينية

        تعد القسطنطينية من أهم المدن العالمية، وقد أسست في عام 330م على يد الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأول، وقد كان لها موقع عالمي فريد حتى قيل عنها: " لو كانت الدنيا مملكة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمة لها "، ومنذ تأسيسها فقد اتخذها البيزنطيون عاصمة لهم، وهي من أكبر المدن في العالم وأهمها.

        وعندما دخل المسلمون في جهاد مع الدولة البيزنطية كان لهذه المدينة مكانتها الخاصة من ذلك الصراع، ولذلك فقد بشر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بفتحها في عدة مواقف، ومن ذلك: ما حدث أثناء غزوة الخندق، ولهذا فقد تنافس خلفاء المسلمين وقادتهم على فتحها عبر العصور المختلفة؛ طمعًا في أن يتحقق فيهم حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لتفتحن القسطنطينية على يد رجل، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش). رواه أحمد في مسنده

        لذلك فقد امتدت إليها يد القوات المسلمة المجاهدة منذ أيام معاوية بن أبي سفيان في أولى الحملات الإسلامية عليها سنة 44هـ، ولم تنجح هذه الحملة، وقد تكررت حملات أخرى في عهده حظيت بنفس النتيجة. كما قامت الدولة الأموية بمحاولة أخرى لفتح القسطنطينية، وتعد هذه الحملة أقوى الحملات الأموية عليها، وهي تلك الحملة التي تمت في أيام سليمان بن عبدالملك سنة 98هـ.

        واستمرت المحاولة لفتح القسطنطينية حيث شهد العصر العباسي الأول حملات جهادية مكثفة ضد الدولة البيزنطية، ولكنها لم تتمكن من الوصول إلى القسطنطينية نفسها وتهديدها، مع أنها هزتها وأثرت على الأحداث داخلها، وبخاصة تلك الحملة التي تمت في أيام هارون الرشيد سنة 190هـ.

        وقد قامت فيما بعد عدة دويلات إسلامية في آسيا الصغرى كان من أهمها دولة السلاجقة، التي امتدت سلطتها إلى آسيا الصغرى. كما أن زعيمها ألب أرسلان ( 455- 465هـ / 1063-1072م ) استطاع أن يهزم إمبراطور الروم ديمونوس في موقعة ملاذكرد عام 464هـ/1070م ثم أسره وضربه وسجنه، وبعد مدة أطلق سراحه بعد أن تعهد بدفع جزية سنوية للسلطان السلجوقي، وهذا يمثل خضوع جزء كبير من إمبراطورية الروم للدولة الإسلامية السلجوقية. وبعد ضعف دولة السلاجقة الكبرى ظهرت عدة دول سلجوقية كان منها دولة سلاجقة الروم في آسيا الصغرى والتي استطاعت مد سلطتها إلى سواحل بحر إيجة غربا، وإضعاف الإمبراطورية الرومانية.

        وفي مطلع القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي خلف العثمانيون سلاجقة الروم، وتجددت المحاولات الإسلامية لفتح القسطنطينية. وكانت البداية حين جرت محاولة لفتحها في أيام السلطان بايزيد " الصاعقة " الذي تمكنت قواته من محاصرتها بقوة سنة 796هـ - 1393م، وأخذ السلطان يفاوض الإمبراطور البيزنطي لتسليم المدينة سلمًا إلى المسلمين، ولكنه أخذ يراوغ ويماطل ويحاول طلب المساعدات الأوربية لصد الهجوم الاسلامي عن القسطنطينية، وفي الوقت نفسه وصلت جيوش المغول يقودها تيمورلنك إلى داخل الأراضي العثمانية، وأخذت تعيث فسادًا، فاضطر السلطان بايزيد لسحب قواته وفك الحصار عن القسطنطينية لمواجهة المغول بنفسه ومعه بقية القوات العثمانية، حيث دارت بين الطرفين معركة أنقرة الشهيرة، والتي أسر فيها بايزيد (الصاعقة) ثم مات بعد ذلك في الأسر سنة 1402م وكان نتيجة ذلك أن تفككت الدولة العثمانية مؤقتًا، وتوقف التفكير في فتح القسطنطينية إلى حين.

        وما أن استقرت الأحوال في الدولة حتى عادت روح الجهاد من جديد؛ ففي أيام السلطان مراد الثاني الذي تولى الحكم في الفترة 824هـ-863هـ/ 1421-1451م جرت عدة محاولات لفتح القسطنطينية، وتمكنت جيوش العثمانيين في أيامه من محاصرتها أكثر من مرة، وكان الإمبراطور البيزنطي في أثناء تلك المحاولات يعمل على إيقاع الفتنة في صفوف العثمانيين بدعم الخارجين على السلطان، وبهذه الطريقة نجح في إشغاله في هدفه الذي حرص عليه، فلم يتمكن العثمانيون من تحقيق ما كانوا يطمحون إليه إلا في زمن ابنه محمد الفاتح فيما بعد.

        كان محمد الفاتح يمارس الأعمال السلطانية في حياة أبيه ومنذ تلك الفترة وهو يعايش صراع الدولة البيزنطية في الظروف المختلفة، كما كان على اطلاع تام بالمحاولات العثمانية السابقة لفتح القسطنطينية، بل ويعلم بما سبقها من محاولات متكررة في العصور الإسلامية المختلفة، وبالتالي فمنذ أن ولى السلطنة العثمانية سنة 855هـ الموافق 1451هـ م كان يتطلع إلى فتح القسطنطينية ويفكر في فتحها.

        ولقد ساهمت تربية العلماء على تنشئته على حب الإسلام والإيمان والعمل بالقرآن وسنة سيد الأنام، ولذلك نشأ على حب الالتزام بالشريعة الإسلامية، واتصف بالتقى والورع، ومحبا للعلم والعلماء، ومشجعا على نشر العلوم. ويعود تدينه الرفيع للتربية الإسلامية الرشيدة التي تلقها منذ الصغر بتوجيهات من والده، وجهود الشخصيات العلمية القوية التي أشرفت على تربيته، وصفاء أولئك الأساتذة الكبار وعزوفهم عن الدنيا وابتعادهم عن الغرور ومجاهدتهم لأنفسهم ممن أشرفوا على رعايته.

        لقد تأثر محمد الفاتح بالعلماء الربانيين منذ طفولته ومن أخصهم العالم الرباني "أحمد بن إسماعيل الكوراني" مشهودًا له بالفضيلة التامة، وكان مدرسه في عهد السلطان "مراد الثاني" والد "الفاتح". وفي ذلك الوقت كان محمد الثاني -الفاتح - أميرًا في بلدة "مغنيسيا" وقد أرسل إليه والده عددًا من المعلمين، ولم يمتثل أمرهم، ولم يقرأ شيئا، حتى إنه لم يختم القرآن الكريم، فطلب السلطان المذكور رجلاً له مهابة وحدّة، فذكروا له المولى "الكوراني"، فجعله معلمًا لولده وأعطاه قضيبًا يضربه بذلك إذا خالف أمره. فذهب إليه، فدخل عليه والقضيب بيده، فقال: أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت أمري، فضحك السلطان محمد خان من ذلك الكلام، فضربه المولى الكوراني في ذلك المجلس ضربا شديدًا، حتى خاف منه السلطان محمد خان، وختم القرآن في مدة يسيرة . . .".

        هذه التربية الاسلامية الصادقة، وهؤلاء المربون الأفاضل، ممن كان منهم بالأخص هذا العالم الفاضل، ممن يمزق الأمر السلطاني إذا وجد به مخالفة للشرع أو لاينحني للسلطان، ويخاطبه باسمه، ويصافحه ولا يقبل يده، بل السلطان يقبل يده. من الطبيعي أن يتخرج من بين جنباتها أناس عظماء كمحمد الفاتح، وأن يكون مسلمًا مؤمنًا ملتزمًا بحدود الشريعة، مقيد بالأوامر والنواهي معظمًا لها ومدافعًا عن إجراءات تطبيقها على نفسه أولاً ثم على رعيته، تقيًا صالحًا يطلب الدعاء من العلماء العاملين الصالحين.

 

وبرز دور الشيخ (آق شمس الدين) في تكوين شخصية محمد الفاتح وبث فيه منذ صغره أمرين هما


أولاً: مضاعفة حركة الجهاد العثمانية.
الثانية: الإيحاء دوماً لمحمد منذ صغره بأنه الأمير المقصود بالحديث النبوي : (لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش) لذلك كان الفاتح يطمع أن ينطبق عليه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المذكور.

ثانيًا: الإعداد للفتح:
        بذل السلطان محمد الثاني جهوده المختلفة للتخطيط والترتيب لفتح القسطنطينية، وبذل في ذلك جهودًا كبيرة في تقوية الجيش العثماني بالقوى البشرية حتى وصل تعداده إلى قرابة ربع مليون مجاهد، وهذا عدد كبير مقارنة بجيوش الدول في تلك الفترة، كما عني عناية خاصة بتدريب تلك الجموع على فنون القتال المختلفة وبمختلف أنواع الأسلحة التي تؤهلهم للعملية الجهادية المنتظرة.

        كما أعتني الفاتح بإعدادهم إعدادًا معنويًا قويًا، وغرس روح الجهاد فيهم، وتذكيرهم بثناء الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الجيش الذي يفتح القسطنطينية، وعسى أن يكونوا هم الجيش المقصود بذلك، مما أعطاهم قوة معنوية وشجاعة منقطعة النظير، كما كان لانتشار العلماء بين الجنود أثر كبير في تقوية عزائم الجنود وربطهم بالجهاد الحقيقي وفق أوامر الله.

        وقد اعتنى السلطان بإقامة قلعة (روملي حصار) في الجانب الأوروبي على مضيق البسفور في أضيق نقطة منه مقابل القلعة التي أسست في عهد السلطان بايزيد في البر الآسيوي، وقد حاول الإمبراطور البيزنطي ثني السلطان الفاتح عن بناء القلعة مقابل التزامات مالية تعهد به، إلا أن الفاتح أصر على البناء لما يعلمه من أهمية عسكرية لهذا الموقع، حتى اكتملت قلعة عالية ومحصنة، وصل ارتفاعها الى 82 مترًا، وأصبحت القلعتان متقابلتين ولا يفصل بينهما سوى 660م تتحكمان في عبور السفن من شرقي البسفور إلى غربيه، وتستطيع نيران مدافعهما منع أي سفينة من الوصول إلى القسطنطينية من المناطق التي تقع شرقها مثل مملكة طرابزون وغيرها من الأماكن التي تستطيع دعم المدينة عند الحاجة.

أولاً: اهتمام السلطان بجمع الأسلحة اللازمة:
        اعتنى السلطان عناية خاصة بجمع الأسلحة اللازمة لفتح القسطنطينية، ومن أهمها المدافع التي أخذت اهتمامًا خاصًا منه، حيث أحضر مهندسًا مجريًا يدعى (أوربان) كان بارعًا في صناعة المدافع، فأحسن استقباله ووفر له جميع الإمكانيات المالية والمادية والبشرية، وقد تمكن هذا المهندس من تصميم، وتنفيذ العديد من المدافع الضخمة كان على رأسها المدفع السلطاني المشهور، والذي ذكر أن وزنه كان يصل إلى مئات الأطنان، وأنه يحتاج إلى مئات الثيران القوية لتحريكه، وقد أشرف السلطان بنفسه على صناعة هذه المدافع وتجريبها.

ثانيًا: الاهتمام بالأسطول:
        ويضاف إلى هذا الاستعداد مابذله الفاتح من عناية خاصة بالأسطول العثماني، حيث عمل على تقويته وتزويده بالسفن المختلفة؛ ليكون مؤهلاً للقيام بدوره في الهجوم على القسطنطينية، تلك المدينة البحرية التي لا يكمل حصارها دون وجود قوة بحرية تقوم بهذه المهمة، وقد ذكر أن السفن التي أعدت لهذا الأمر بلغت أكثر من أربعمائة سفينة.

ثالثًا: عقد معاهدات:
        كما عمل الفاتح قبل هجومه على القسطنطينية على عقد معاهدات مع أعدائه المختلفين ليتفرغ لعدو واحد، فعقد معاهدة مع إمارة (غلطة) المجاورة للقسطنطينية من الشرق ويفصل بيهما مضيق (القرن الذهبي)، كما عقد معاهدات مع (المجد) و(البندقية) وهما من الإمارات الأوروبية المجاورة، ولكن هذه المعاهدات لم تصمد حينما بدأ الهجوم الفعلي على القسطنطينية، حيث وصلت قوات من تلك المدن وغيرها للمشاركة في الدفاع عن القسطنطينية مشاركة لبني عقيدتهم من النصارى متناسين عهودهم ومواثيقهم مع المسلمين.

        في هذه الأثناء التي كان السلطان يعد العدة فيها للفتح استمات الإمبراطور البيزنطي في محاولاته لثنيه عن هدفه بتقديم الأموال والهدايا المختلفة إليه، وبمحاولة رشوة بعض مستشاريه ليؤثروا على قراره، ولكن السلطان كان عازمًا على تنفيذ مخططه ولم تثنه هذه الأمور عن هدفه، ولما رأى الإمبراطور البيزنطي شدة عزيمة السلطان على تنفيذ هدفه، عمد إلى طلب المساعدات من مختلف الدول والمدن الأوروبية وعلى رأسها البابا زعيم المذهب الكاثوليكي، في الوقت الذي كانت فيه كنائس الدولة البيزنطية وعلى رأسها القسطنطينية تابعة للكنيسة الأرثوذكسية، وكان بينهما عداء شديد، وقد أضطر الإمبراطور لمجاملة البابا بأن يتقرب إليه ويظهر له استعداده للعمل على توحيد الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية لتصبح خاضعة له، في الوقت الذي لم يكن الأرثوذكس يرغبون في ذلك. وقد قام البابا بناءً على ذلك بإرسال مندوب منه إلى القسطنطينية، خطب في كنيسة آيا صوفيا ودعا للبابا وأعلن توحيد الكنيستين، مما أغضب جمهور الأرثوذكس في المدينة، وجعلهم يقومون بحركة مضادة لهذا العمل الإمبراطوري الكاثوليكي المشترك، حتى قال بعض زعماء الأرثوذكس: (إنني أفضل أن أشاهد في ديار البيزنط عمائم الترك على أن أشاهد القبعة اللاتينية).

ثانيًا: الهجوم:
        كانت القسطنطينية محاطة بالمياه البحرية في ثلاث جبهات، مضيق البسفور، وبحر مرمرة، والقرن الذهبي الذي كان محميًا بسلسلة ضخمة جدًا تتحكم في دخول السفن إليه، بالإضافة إلى ذلك فإن خطين من الأسوار كانت تحيط بها من الناحية البرية من شاطئ بحر مرمرة إلى القرن الذهبي، يتخللها نهر ليكوس، وكان بين السورين فضاء يبلغ عرضه 60 قدمًا، ويرتفع السور الداخلي منها 40 قدمًا، وعليه أبراج يصل ارتفاعها إلى 60قدمًا، وأما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه قرابة خمس وعشرين قدمًا، وعليه أبراج موزعة مليئة بالجند، وبالتالي فإن المدينة من الناحية العسكرية تعد من أفضل مدن العالم تحصينًا، لما عليها من الأسوار والقلاع والحصون إضافة الى التحصينات الطبيعية، وبالتالي فإنه يصعب اختراقها، ولذلك فقد استعصت على عشرات المحاولات العسكرية لاقتحامها، ومنها إحدى عشرة محاولة إسلامية سابقة. كان السلطان الفاتح يكمل استعدادات القسطنطينية ويعرف أخبارها ويجهز الخرائط اللازمة لحصارها، كما كان يقوم بنفسه بزيارات استطلاعية يشاهد فيها استحكامات القسطنطينية وأسوارها.

        وقد عمل السلطان على تمهيد الطريق بين أدرنة والقسطنطينية؛ لتكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها إلى القسطنطينية، وقد تحركت المدافع من أدرنة إلى قرب القسطنطينية، في مدة شهرين حيث تمت حمايتها بقسم الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس 26 ربيع الأول 857هـ الموافق 6 أبريل 1453م ، فجمع الجند وكانوا قرابة مائتين وخمسين ألف جندي، فخطب فيهم خطبة قوية حثهم فيها على الجهاد وطلب النصر أو الشهادة، وذكرهم فيها بالتضحية وصدق القتال عند اللقاء، وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحث على ذلك، كما ذكر لهم الأحاديث النبوية التي تبشر بفتح القسطنطينية، وفضل الجيش الفاتح لها وأميره، وما في فتحها من عز للإسلام والمسلمين، وقد بادر الجيش بالتهليل والتكبير والدعاء.

        وكان العلماء مبثوثين في صفوف الجيش مقاتلين ومجاهدين معهم، مما أثر في رفع معنوياتهم حتى كان كل جندي ينتظر القتال بفارغ الصبر ليؤدي ما عليه من واجب.

        وفي اليوم التالي قام السلطان بتوزيع جيشه البري أمام الأسوار الخارجية للمدينة، مشكلاً ثلاثة أقسام رئيسية تمكنت من إحكام الحصار البري حول مختلف الجهات، كما أقام الفاتح جيوشًا احتياطية خلف الجيوش الرئيسية، وعمل على نصب المدافع أمام الأسوار، ومن أهمها المدفع السلطاني العملاق الذي أقيم أمام باب طب قابي، كما وضع فرقًا للمراقبة في مختلف المواقع المرتفعة والقريبة من المدينة. وفي نفس الوقت انتشرت السفن العثمانية في المياه المحيطة بالمدينة، إلا أنها لم تستطع الوصول إلى القرن الذهبي بسبب وجود السلسلة الضخمة التي منعت أي سفينة من دخوله، بل وتدمر كل سفينة تحاول الدنو والاقتراب، واستطاع الأسطول العثماني أن تستولي على جزر الأمراء في بحر مرمرة.

        وحاول البيزنطيون أن يبذلوا قصارى جهدهم للدفاع عن القسطنطينية، ووزعوا الجنود على الأسوار، واحكموا التحصينات وأحكم الجيش العثماني قبضته على المدينة، ولم يخلوا الآمر من وقوع قتال بين العثمانيين المهاجمين والبيزنطيين المدافعين منذ الأيام الأولى للحصار، وفتحت أبواب الشهادة، وفاز عدد كبير من العثمانيين بها خصوصًا من الأفراد الموكلين بالاقتراب من الأبواب. وكانت المدفعية العثمانية تطلق مدافعها من مواقع مختلفة نحو المدينة، وكان لقذائفها ولصوتها الرهيب دور كبير في إيقاع الرعب في قلوب البيزنطيين، وقد تمكنت من تحطيم بعض الأسوار حول المدينة، ولكن المدافعين كانوا سرعان مايعيدون بناء الأسوار وترميمها.

        ولم تنقطع المساعدات المسيحية من أوروبا، ووصلت إمدادات من جنوة مكونة من خمس سفن وكان يقودها القائد الجنوي جوستنيان يرافقه سبعمائة مقاتل متطوع من دول أوروبية متعددة، واستطاعت سفنهم أن تصل إلى العاصمة البيزنطية العتيقة بعد مواجهة بحرية مع السفن العثمانية المحاصرة للمدينة. وكان لوصول هذه القوة أثر كبير في رفع معنويات البيزنطيين، وقد عين قائدها جستيان قائدًا للقوات المدافعة عن المدينة.

        وقد حاولت القوات البحرية العثمانية تخطي السلسلة الضخمة التي تتحكم في مدخل القرن الذهبي والوصول بالسفن الاسلامية إليه، وأطلقوا سهامهم على السفن الأوروبية والبيزنطية، ولكنهم فشلوا في تحقيق مرادهم في البداية، وارتفعت الروح المعنوية للمدافعين عن المدينة.

        ولم يكل القس ورجال الدين النصارى، فكانوا يطوفون بشوارع المدينة، وأماكن التحصين ويحرضون المسيحيين على الثبات والصبر، ويشجعون الناس على الذهاب الى الكنائس ودعاء المسيح والسيدة العذراء أن يخلصوا المدينة، وأخذ الإمبراطور قسطنطين يتردد بنفسه على كنيسة أيا صوفيا لهذا الهدف.

ثالثًا: مفاوضات بين محمد الفاتح وقسطنطين:
        استبسل العثمانيون المهاجمون على المدينة وعلى رأسهم محمد الفاتح، وصمد البيزنطيون بقيادة قسطنطين صمودًا بطوليًا في الدفاع، وحاول الإمبراطور البيزنطي أن يخلص مدينته وشعبه بكل ما يستطيع من حيلة، فقدم عروضًا مختلفة للسلطان ليغريه بالانسحاب مقابل الأموال أو الطاعة، أو غير ذلك من العروض التي قدمها، ولكن الفاتح - رحمه الله - يرد بالمقابل طالبًا تسليم المدينة تسليمًا، وأنه في هذه الحالة لن يتعرض أحد من أهلها ولا كنائسها للأذى، وكان مضمون الرسالة: (فليسلم لي إمبراطوركم مدينة القسطنطينية وأقسم بأن جيشي لن يتعرض لأحد في نفسه وماله وعرضه، ومن شاء بقي في المدينة وعاش فيها في أمن وسلام ومن شاء رحل عنها حيث أراد في أمن وسلام أيضًا).

        كان الحصار لا يزال ناقصًا ببقاء مضيق القرن الذهبي في أيدي البحرية البيزنطية، ومع ذلك فإن الهجوم العثماني كان مستمرًا دون هوادة، حيث أظهر جنود الانكشارية شجاعة فائقة، وبسالة نادرة، فكانوا يقدمون على الموت دون خوف في أعقاب كل قصف مدفعي، وفي يوم 18 أبريل تمكنت المدافع العثمانية من فتح ثغرة في الأسوار البيزنطية عند وادي ليكوس في الجزء الغربي من الأسوار، فاندفع إليها الجنود العثمانيون بكل بسالة محاولين اقتحام المدينة من الثغرة، كما حاولوا اقتحام الأسوار الأخرى بالسلالم التي ألقوها عليها، ولكن المدافعين عن المدينة بقيادة جستنيان استماتوا في الدفاع عن الثغرة والأسوار، واشتد القتال بين الطرفين، وكانت الثغرة ضيفة وكثرة السهام والنبال والمقذوفات على الجنود المسلمين، ومع ضيق المكان وشدة مقاومة الأعداء وحلول الظلام، أصدر الفاتح أوامره للمهاجمين بالانسحاب بعد أن أثاروا الرعب في قلوب أعدائهم متحينين فرصة أخرى للهجوم.

        وفي اليوم نفسه حاولت بعض السفن العثمانية اقتحام القرن الذهبي بتحطيم السلسلة الحاجزة عنه، ولكن السفن البيزنطية والأوروبية المشتركة، إضافة الى الفرق الدفاعية المتمركزة خلف السلسلة الضخمة من المدافعين عن مدخل الخليج، استطاعوا جميعًا من صد السفن الإسلامية وتدمير بعضها، فاضطرت بقية السفن إلى العودة بعد أن فشلت في تحقيق مهمتها.

رابعًا: عزل قائد الأسطول العثماني وشجاعة محمد الفاتح:
        بعد هذه المعركة بيومين وقعت معركة أخرى بين البحرية العثمانية وبعض السفن الأوروبية التي حاولت الوصول إلى الخليج، حيث بذلت السفن الإسلامية جهودًا كبيرة لمنعها، وأشرف الفاتح بنفسه على المعركة من على الساحل، وكان قد أرسل إلى قائد الأسطول وقال له: (إما أن تستولي على هذه السفن، وإما أن تغرقها، وإذا لم توفق في ذلك فلا ترجع إلينا حيًا) لكن السفن الأوروبية نجحت في الوصول إلى هدفها ولم تتمكن السفن العثمانية من منعها، رغم الجهود العظيمة المبذولة لذلك، وبالتالي غضب السلطان محمد الفاتح غضبًا شديدًا فعزل قائد الأسطول بعد ما رجع إلى مقر قيادته، واستدعاه وعنف محمد الفاتح قائد الأسطول بالطه أوغلي وعنفه واتهمه بالجبن، وتأثر بالطة أوغلي لهذا وقال: (إني استقبل الموت بجنان ثابت، ولكن يؤلمني أن أموت وأنا متهم بمثل هذه التهمة. لقد قاتلت أنا ورجالي بكل ماكان في وسعنا من حيلة وقوة، ورفع طرف عمامته عن عينه المصابة). أدرك محمد الفاتح عند ذلك أن الرجل قد أعذر، فتركه ينصرف واكتفى بعزله من منصبه، وجعل مكانه حمزة باشا.

        لقد ذكرت كتب التاريخ أن السلطان محمد الفاتح كان يراقب هذه المعارك البحرية وهو على جواده، وقد اندفع نحو البحر حتى غاص حصانه إلى صدره، وكانت السفن المتقاتلة على مرمى حجر منه فأخذ يصيح لبطله أوغلي بأعلى صوته: يا قبطان! يا قبطان! ويلوح له بيده، وضاعف العثمانيون جهودهم في الهجوم دون أن يأثروا في السفن تأثيرًا لينًا كانت الهزائم البحرية للأسطول العثماني دور كبير في محاولة بعض مستشاري السلطان وعلى رأسهم الوزير (خليل باشا) إقتناعه بالعدول عن الاستيلاء على القسطنطينية، والرضا بمصالحة أهلها دون السيطرة عليها، وبالتالي رفع الحصار عنها، ولكن السلطان أصر على محاولة الفتح واستمر في قصف دفاعات المدينة بالمدافع من كل جانب، وفي الوقت نفسه كان يفكر بجدية في إدخال السفن الاسلامية أى القرن الذهبي، خصوصًا وأن الأسوار من ناحية القرن الذهبي متهاوية، وبالتالي سيضطر البيزنطيون إلى سحب بعض قواتهم المدافعة عن الأسوار الغربية من المدينة، وبهذا التفريق للقوات المدافعة ستتهيأ فرصة أكبر في الهجوم على تلك الأسوار بعد أن ينقص عدد المدافعين عنها.

خامسًا: عبقرية حربية فذة:
        لاحت للسلطان فكرة بارعة، وهي نقل السفن من مرساها في بشكطاش إلى القرن الذهبي بجرها على الطريق البري الواقعة بين الميناءين مبتعدًا عن حي غلطة؛ خوفاً على سفنه من الجنوبيين، وقد كانت المسافة بين الميناء نحو ثلاثة أميال، ولم تكن أرضًا مبسوطة سهلة ولكنها كانت وهادًا وتلالاً غير ممهدة.

        جمع محمد الفاتح أركان حربه وعرض عليهم فكرته، وحدد لهم مكان معركته القادمة، فتلقى منهم كل تشجيع، وأعربوا عن اعجابهم بها.

        بدأ تنفيذ الخطة، وأمر السلطان محمد الثاني، فمهدت الأرض وسويت في ساعات قليلة، وأتى بألواح من الخشب دهنت بالزيت والشحم، ثم وضعت على الطريق الممهد بطريقة يسهل بها انزلاق السفن وجرها، وكان أصعب جزء من المشروع هو نقل السفن على انحدار التلال المرتفعة، إلا أنه بصفة عامة كانت السفن العثمانية صغيرة الحجم خفيفة الوزن وجرت السفن من البسفور إلى البر حيث سحبت على تلك الأخشاب المدهونة بالزيت مسافة ثلاثة أميال، حتى وصلت إلى نقطة آمنة، فأنزلت في القرن الذهبي، وتمكن العثمانيون في تلك الليلة من سحب أكثر من سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من العدو بطريقة لم يسبق إليها السلطان الفاتح قبل ذلك ، وقد كان يشرف بنفسه على العملية التي جرت في الليل بعيداً عن أنظار العدو ومراقبته.

        كان هذا العمل عظيمًا بالنسبة للعصر الذي حدث فيه بل معجزة من المعجزات، تجلى فيه سرعة التفكير وسرعة التنفيذ، مما يدل على عقلية العثمانيين الممتازة، ومهارتهم الفائقة وهمتهم العظيمة. لقد دهش الروم دهشة كبرى عندما علموا بها، فما كان أحد ليستطيع تصديق ما تم. لكن الواقع المشاهد جعلهم يذعنون لهذه الخطة الباهرة.

        ولقد كان منظر هذه السفن بأشرعتها المرفوعة تسير وسط الحقول كما لو كانت تمخر عباب البحر من أعجب المناظر وأكثرها إثارة ودهشة. ويرجع الفضل في ذلك إلى الله سبحانه وتعالى ثم إلى همة السلطان وذكاءه المفرط، وعقليته الجبارة، وإلى مقدرة المهندسين العثمانيين، وتوفر الأيدي العاملة التي قامت بتنفيذ ذلك المشروع الضخم بحماس ونشاط. وقد تم كل ذلك في ليلة واحدة واستيقظ أهل المدينة البائسة صباح يوم 22 أبريل على تكبيرات العثمانيين المدوية، وهتافاتهم المتصاعدة، وأناشيدهم الإيمانية العالية، في القرن الذهبي، وفوجئوا بالسفن العثمانية وهي تسيطر على ذلك المعبر المائي، ولم يعد هناك حاجز مائي بين المدافعين عن القسطنطينية وبين الجنود العثمانيين، ولقد عبر أحد المؤرخين البيزنطيين عن عجبهم من هذا العمل فقال: (ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الفاتح يحول الأرض إلى بحار وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلاً من الأمواج، لقد فاق محمد الثاني بهذا العمل الاسكندر الأكبر).

        ظهر اليأس في أهل القسطنطينية، وكثرت الإشاعات والتنبؤات بينهم، وانتشرت شائعة تقول: ستسقط القسطنطينية عندما ترى سفن تمخر اليابسة" وكان لوجود السفن الإسلامية في القرن الذهبي دور كبير في إضعاف الروح المعنوية لدى المدافعين عن المدينة الذين اضطروا لسحب قوات كبيرة من المدافعين عن الأسوار الأخرى لكي يتولوا الدفاع عن الأسوار الواقعة على القرن الذهبي إذ إنها كانت أضعف الأسوار، ولكنها في السابق تحميها المياه؛ مما أوقع الخلل في الدفاع عن الأسوار الأخرى.

        وقد حاول الإمبراطور البيزنطي تنظيم أكثر من عملية لتدمير الأسطول العثماني في القرن الذهبي إلا أن محاولته المستميته كان العثمانيون لها بالمرصاد حيث أفشلوا كل الخطط والمحاولات. واستمر العثمانيون في دك نقاط دفاع المدينة وأسوارها بالمدافع، وحاولوا تسلَّق أسوارها، وفي الوقت نفسه انشغل المدافعون عن المدينة في بناء وترميم ما يتهدم من أسوار مدينتهم ورد المحاولات المكثفة لتسلق الأسوار مع استمرار الحصار عليهم مما زاد في مشقتهم وتعبهم وإرهاقهم وشغل ليلهم مع نهارهم وأصابهم اليأس.

        كما وضع العثمانيون مدافع خاصة على الهضاب المجاورة للبسفور والقرن الذهبي، مهمتها تدمير السفن البيزنطية والمتعاونة معها في القرن الذهبي والبسفور والمياه المجاورة مما عرقل حركة سفن الأعداء وأصابها بالشلل تماماً.

سادسًا: اجتماع بين الملك قسطنطين ومعاونيه:
        عقد الملك قسطنطين ومعاونيه ومستشاريه ورجال النصرانية في المدينة اجتماعًا، فأشاروا عليه بالخروج بنفسه من المدينة والتوجه لطلب النجدات من الأمم المسيحية، والدول الأوروبية، ولعل تأتي الجيوش النصرانية، فيضطر محمد الفاتح لرفع الحصار عن مدينتهم، ولكنه رفض هذا الرأي وأصر على أن يقاوم إلى آخر لحظة ولا يترك شعبه في المدينة حتى يكون مصيره ومصيرهم واحدًا، وأنه يعتبر هذا واجبه المقدس، وأمرهم أن لا ينصحوه بالخروج أبدًا وأكتفى بإرسال وفود تمثله إلى مختلف أنحاء أوروبا لطلب المساعدة، ورجعت تلك الوفود تجر خلفها أذيال الخيبة، وكانت الأجهزة الأستخباراتية للدولة العثمانية قد اخترقت القسطنطينية وما حولها بحيث أصبحت القيادة العثمانية على علم تام بما يدور حولها.

سابعًا: الحرب النفسية العثمانية
        ضاعف السلطان محمد الثاني الهجوم على الأسوار وجعله مركزًا وعنيفًا، ضمن خطة أعدها بنفسه أيضًا لإضعاف العدو، وكررت القوات العثمانية عملية الهجوم على الأسوار ومحاولة تسلقها مرات عديدة بصورة بطولية بلغت غاية عظيمة من الشجاعة والتضحية والتفاني، وكان أكثر ما يرعب جنود الإمبراطور قسطنطين صيحاتهم وهي تشق عنان السماء وتقول: (الله أكبر الله أكبر) فتنزل عليهم كالصواعق المدمرة.

        وشرع السلطان محمد الفاتح في نصب المدافع القوية على الهضاب الواقعة خلف "غلطة"، وبدأت هذه المدافع في دفع قذائفها الكثيفة نحو الميناء، وأصابت إحدى القذائف سفينة تجارية فأغرقتها في الحال، فخافت السفن الأخرى واضطرت للفرار، واتخذت من أسوار غلطة ملجأ لها، وظل الهجوم العثماني البري في موجات خاطفة وسريعة هجمة تلوى الاخرى. وكان السلطان محمد الفاتح يوالي الهجمات وإطلاق القذائف في البر والبحر دون انقطاع ليلاً ونهارًا من أجل إنهاك قوى المحاصرين، وعدم تمكينهم من أن ينالوا أي قسط من راحة وهدوء بال، وهكذا أصبحت عزائمهم ضعيفة ونفوسهم مرهقة كليلة، وأعصابهم متوترة مجهودة تثور لأي سبب.

        وأصبح كل واحد من الجنود ينظر إلى صاحبه، ويلاحظ على وجهه علامات الذل والهزيمة والفشل، وشرعوا يتحدثون علنًا عن طرق النجاة والإفلات بأرواحهم وما يتوقعونه من العثمانيين إذا ما اقتحموا عليهم مدينتهم، واضطر الإمبراطور قسطنطين إلى عقد مؤتمر ثاني، اقترح فيه أحد القادة مباغتة العثمانيين بهجوم شديد عنيف لفتح ثغرة توصلهم بالعالم الخارجي. وبينما هم في مجلسهم يتدارسون هذا الاقتراح، قطع عليهم أحد الجنود اجتماعهم، وأعلمهم بأن العثمانيين شنوا هجوماً شديدًا مكثفًا على وادي ليكونس، فترك قسطنطين الاجتماع ووثب على فرسه، واستدعى الجند الاحتياطي، ودفع بهم إلى مكان القتال، واستمر القتال إلى آخر الليل حتى انسحب العثمانيون.

        وكان السلطان محمد - رحمه الله - يفاجئ عدوه من حين لآخر بفن جديد من فنون القتال والحصار، وحرب الأعصاب وبأساليب جديدة وطرق حديثة مبتكرة غير معروفة للعدو.

        ففي المراحل المتقدمة من الحصار لجأ العثمانيون إلى طريقة عجيبة في محاولة دخول المدينة؛ حيث عملوا على حفر أنفاق تحت الأرض من مناطق مختلفة إلى داخل المدينة وسمع سكانها ضربات شديدة تحت الأرض أخذت تقترب من داخل المدينة بالتدريج، فأسرع الإمبراطور بنفسه ومعه قواده ومستشاروه إلى ناحية الصوت، وأدركوا أن العثمانيين يقومون بحفر أنفاق تحت الأرض، للوصول إلى داخل المدينة، فقرر المدافعون الإعداد لمواجهتها بحفر أنفاق مماثلة مقابل أنفاق المهاجمين لمواجهتهم دون أن يعلموا، حتى إذا وصل العثمانيون إلى الأنفاق التي أعدت لهم، ظنوا أنهم وصلوا إلى سراديب خاصة وسرية تؤدي إلى داخل المدينة ففرحوا بهذا، ولكن الفرحة لم تطل إذ فاجأهم الروم، فصبوا عليهم ألسنة النيران والنفط المحترق والمواد الملتهبة، فاختنق كثير منهم واحترق قسم آخر وعاد الناجون منهم أدراجهم من حيث أتوا.

        لكن هذا الفشل لم يفت في عضد العثمانيين، فعاودوا حفر أنفاق أخرى، وفي مواضع مختلفة، من المنطقة الممتدة بين (أكرى فبو) وشاطئ القرن الذهبي، وكانت مكانًا ملائمًا للقيام بمثل هذا العمل، وظلوا على ذلك حتى أواخر أيام الحصار، وقد أصاب أهل القسطنطينية من جراء ذلك خوف عظيم وفزع لا يوصف حتى صاروا يتوهمون أن أصوات أقدامهم وهم يمشون إن هي أصوات خفية لحفر يقوم به العثمانيون، وكثيرًا ما كان يخيل لهم أن الارض ستنشق ويخرج منها الجند العثمانيون ويملئون المدينة، فكانوا يتلفتون يمنة ويسرة، ويشيرون هنا وهناك في فزع ويقولون: (هذا تركي ... هذا تركي) ويجرون هربًا من أشباح يحسبونها أنها تطارهم، وكثيرًا ما كان يحدث أن تتناقل العامة الإشاعة فتصبح كأنها حقيقة واقعة رأها أحدهم بعيني رأسه وهكذا داخل سكان القسطنطينية فزع شديد أذهب وعيهم، حتى لكأنهم (سكارى وماهم بسكارى)، فريق يجري، وفريق يتأمل السماء، ومجموعة تتفحص الأرض، والبعض ينظر في وجوه البعض الآخر في عصبية زائدة وفشل ذريع.

        ولم يكن عمل العثمانيين هذا سهلاً، فإن هذه الإنفاق التي حفروها قد أودت بحياة كثير منهم، فماتوا اختناقًا واحتراقًا في باطن الأرض، كما وقع الكثير منهم في بعض هذه المحاولات في أسر الروم، فقطعت رؤوسهم وقذف بها إلى معسكر العثمانيين.

مفاجأة عسكرية عثمانية:
        لجأ العثمانيون إلى أسلوب جديد في محاولة الاقتحام، وذلك بأن صنعوا قلعة خشبية ضخمة شامخة متحركة تتكون من ثلاثة أدوار، وبارتفاع أعلى من الأسوار، وقد كسيت بالدروع والجلود المبللة بالماء لتمنع عنها النيران، وأعدت تلك القلعة بالرجال في كل دور من أدوارها، وكان الذين في الدور العلوي من الرماة يقذفون بالنبال كل من يطل برأسه من فوق الأسوار، وقد وقع الرعب في قلوب المدافعين عن المدينة حينما زحف العثمانيون بهذه القلعة واقتربوا بها من الأسوار عند باب رومانوس، فاتجه الإمبراطور بنفسه ومعه قواده ليتابع صد تلك القلعة ودفعها عن الأسوار، وقد تمكن العثمانيون من لصقها بالأسوار ودار بين من فيها وبين النصارى عند الأسوار قتل شديد واستطاع بعض المسلمين ممن في القلعة تسلق الأسوار ونجحوا في ذلك، وقد ظن قسطنطين أن الهزيمة حلت به، إلا أن المدافعين كثفوا من قذف القلعة بالنيران حتى أثرت فيها وتمكنت منها النيران فاحترقت، ووقعت على الأبراج البيزنطية المجاورة لها فقتلت من فيها من المدافعين، وامتلاء الخندق المجاور لها بالحجارة والتراب.

ولم بيأس العثمانيون من المحاولة بل قال الفاتح وكان يشرف بنفسه على ما وقع: غداً نصنع أربعًا أخرى

        زاد الحصار وقوي واشتد حتى أرهق من بداخل المدينة من البيزنطيين، فعقد زعماء المدينة اجتماعًا فى 24 مايو داخل قصر الإمبراطور وبحضوره شخصيًا، وقد لاح في الأفق بوادر يأس المجتمعين من إنقاذ المدينة، حيث اقترح بعضهم على الإمبراطور الخروج بنفسه قبل سقوط المدينة لكي يحاول جمع المساعدات والنجدات لإنقاذها أو استعادتها بعد السقوط، ولكن الإمبراطور رفض ذلك مرة أخرى، وأصر على البقاء داخل المدينة والاستمرار في قيادة شعبه، وخرج لتفقد الأسوار والتحصينات.

        وأخذت الإشاعات تهيمن على المدينة وتضعف من مقاومة المدافعين عنها، وكان من أقواها عليهم ما حدث في يوم 16 جمادى الأولى الموافق 25 مايو، حيث حمل أهل المدينة تمثالاً للسيدة مريم العذراء (بزعمهم)، وأخذوا يتجولون به في ضواحي المدينة، يدعونه ويتضرعون إلى العذراء أن تنصرهم على أعدائهم، وفجأة سقط التمثال من أيديهم وتحطم، فرأوا في ذلك شؤم ونذير بالخطر، وتأثر سكان المدينة وخصوصًا المدافعين عنها، وحدث في اليوم التالي 26 مايو هطول أمطار غزيرة مصحوبة ببعض الصواعق، ونزلت إحدى الصواعق على كنيسة آيا صوفيا، فتشاءم البطريق، وذهب إلى الإمبراطور وأخبره أن الله تخلى عنهم، وأن المدينة ستسقط في يد المجاهدين العثمانيين، فتأثر الإمبراطور حتى أغمى عليه.

        وكانت المدفعية العثمانية لا تنفك عن عملها في دك الأسوار والتحصينات، وتهدمت أجزاء كثيرة من السور والأبراج وامتلئت الخنادق بالأنقاض، التي يئس المدافعون من إزالتها وأصبحت إمكانية اقتحام المدينة واردة في أي لحظة، إلا أن اختيار موقع الاقتحام لم يحدد بعد.

ثامنًا: المفاوضات الأخيرة بين محمد الفاتح وقسطنطين:
        أيقن محمد الفاتح أن المدينة على وشك السقوط، ومع ذلك حاول أن يكون دخولها بسلام؛ فكتب إلى الإمبراطور رسالة دعاه فيه إلى تسليم المدينة دون إراقة دماء، وعرض عليه تأمين خروجه وعائلته وأعوانه وكل من يرغب من سكان المدينة إلى حيث يشاءون بأمان، وأن تحقن دماء الناس في المدينة ولا يتعرضوا لأي أذى ويكونوا بالخيار في البقاء في المدينة أو الرحيل عنها، ولما وصلت الرسالة إلى الإمبراطور جمع المستشارين وعرض عليهم الأمر، فمال بعضهم إلى التسليم، وأصر آخرون على استمرار الدفاع عن المدينة حتى الموت، فمال الإمبراطور إلى رأي القائلين بالقتال حتى آخر لحظة، فرد الإمبراطور رسول الفاتح برسالة قال فيها: (إنه يشكر الله إذ جنح السلطان إلى السلم وأنه يرضى أن يدفع له الجزية أما القسطنطينية فإنه أقسم أن يدافع عنها إلى آخر نفس في حياته فإما أن يحفظ عرشه أو يدفن تحت أسوارها)، فلما وصلت الرسالة إلى الفاتح قال: (حسنًا عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر).

        وعمد السلطان بعد اليأس من تسليم المدينة صلحًا إلى تكثيف الهجوم وخصوصًا القصف المدفعي على المدينة، حتى إن المدفع السلطاني الضخم انفجر من كثرة الاستخدام، وقتل المشتغلين له وعلى رأسهم المهندس المجري أوربان الذي تولى الإشراف على تصميم المدفع، ومع ذلك فقد وجه السلطان بإجراء عمليات التبريد للمدافع بزيت الزيتون، وقد نجح الفنيون في ذلك. وواصلت المدافع قصفها للمدينة مرة أخرى، بل تمكنت من توجيه القذائف بحيث تسقط وسط المدينة بالإضافة إلى ضربها للأسوار والقلاع.

تاسعًا: السلطان محمد الفاتح يعقد اجتماعًا لمجلس الشوري:
        عقد السلطان محمد الفاتح اجتماعًا ضم مستشاريه وكبار قواده بالإضافة إلى الشيوخ والعلماء، وقد طلب الفاتح من المجتمعين الإدلاء بآرائهم بكل صراحة دون تردد، فأشار بعضهم بالانسحاب ومنهم الوزير خليل باشا الذي دعا إلى الانسحاب، وعدم إراقة الدماء، والتحذير من غضب أوروبا النصرانية فيما لو استولى المسلمون على المدينة، إلى غير ذلك من المبررات التي طرحها، وكان متهمًا بمواطئة البيزنطيين ومحاولة التخذيل عنهم، وقد قام بعض الحضور بتشجيع السلطان على مواصلة الهجوم على المدينة حتى الفتح واستهان بأوروبا وقواتها، كما أشار إلى تحمس الجند لإتمام الفتح، وما في التراجع من تحطيم لمعنوياتهم الجهادية.

        وكان من هؤلاء أحد القواد الشجعان ويدعى (زوغنوش باشا) وهو من أصل ألباني كان نصرانيًا فأسلم حيث هون من شأن القوات الأوروبية على السلطان، وذكرت كتب التاريخ موقف زوغنوش باشا فقالت: (ما إن سأله السلطان الفاتح عن رأيه حتى استوفز في قعدته، وصاح في لغة تركية تشوبها لكنة أرناؤوطية: حاشا وكلا أيها السلطان، أنا لا أقبل أبدًا ما قاله خليل باشا، فما أتينا هنا إلا لنموت لا لنرجع. وأحدث هذا الاستهلال وقعًا عميقًا في نفوس الحاضرين، وخيم السكون على المجلس لحظة ثم واصل زوغنوش باشا كلامه فقال: إن خليل باشا أراد بما قاله أن يخمد فيكم نار الحمية، ويقتل الشجاعة، ولكنه لن يبوء إلا بالخيبة والخسران. إن جيش الاسكندر الكبير الذي قام من اليونان، وزحف إلى الهند، وقهر نصف آسيا الكبيرة الواسعة لم يكن أكبر من جيشنا. فإن كان ذلك الجيش استطاع أن يستولي على تلك الأراضي العظيمة الواسعة، أفلا يستطيع جيشنا أن يتخطى هذه الكومة من الأحجار المتراكمة، وقد أعلن خليل باشا أن دول الغرب ستزحف إلينا وتنتقم، ولكن ما الدول الغربية هذه؟ وهل هي الدول اللاتينية التي شغلها ما بينها من خصام وتنافس، هل هي دول البحر المتوسط التي لا تقدر على شيء غير القرصنة واللصوصية؟ ولو أن تلك الدول أرادت نصرة بيزنطة لفعلت وأرسلت إليها الجند والسفن، ولنفرض أن أهل الغرب بعد فتحنا القسطنطينية هبوا إلى الحرب وقاتلونا فهل سنقف منهم مكتوفي الأيدي بغير حراك، أو ليس لنا جيش يدافع عن كرامتنا وشرفنا؟

        يا صاحب السلطنة، أما وقد سألتني رأيي فلأعلنها كلمة صريحة، يجب أن تكون قلوبنا كالصخر، ويجب أن نواصل الحرب دون أن يظهر علينا أقل ضعف أو خور، لقد بدأنا أمرًا فواجب علينا أن نتمه، ويجب أن نزيد هجماتنا قوة وشدة، ونفتح ثغرات جديدة وننقض على العدو بشجاعة.

        لا أعرف شيئًا غير هذا، ولا أستطيع أن أقول شيئًا غير هذا ....) وبدأت على وجه الفاتح أمارات البشر والانشراح لسماع هذا القول، والتفت إلى القائد طرخان يسأله رأيه فأجاب على الفور: إن زوغنوش باشا قد أصاب فيما قال، وأنا على رأيه يا سلطاني. ثم سأل الشيخ آق شمس الدين والمولى الكوراني عن رأيهما وكان الفاتح يثق بهما كل الثقة فأجابا أنهما على رأي زوغنوش باشا وقالا: (يجب الاستمرار في الحرب، وبالغاية الصمدانية سيكون لنا النصر والظفر).

        وسرت الحمية والحماس في جميع الحاضرين، وابتهج السلطان الفاتح واستبشر بدعاء الشيخين بالنصر والظفر ولم يملك نفسه من القول: من كان من أجدادي في مثل قوتي؟

        لقد أيد العلماء الرأي القائل بمواصلة الجهاد كما فرح السلطان؛ حيث كان يعبر عن رأيه ورغبته في مواصلة الهجوم حتى الفتح، وانتهى الاجتماع بتعليمات من السلطان أن الهجوم العام والتعليمات باقتحام المدينة باتت وشيكة، وسيأمر بها فور ظهور الفرصة المناسبة، وأن على الجنود الاستعداد لذلك.

عاشرًا: محمد الفاتح يوجه تعليماته ويتابع جنوده بنفسه:
        في يوم الأحد 18 جمادى الأولى 27 من مايو وجه السلطان محمد الفاتح الجنود إلى الخشوع وتطهير النفوس والتقرب إلى الله تعالى بالصلاة وعموم الطاعات والتذلل والدعاء بين يديه؛ لعل الله أن ييسر لهم الفتح، وانتشر هذا الأمر بين عامة المسلمين. كما قام الفاتح بنفسه ذلك اليوم بتفقد أسوار المدينة ومعرفة آخر أحوالها، وما وصلت إليه، وأوضاع المدافعين عنها في النقاط المختلفة، وحدد مواقع معينة يتم فيها تركيز القصف العثماني، وتفقد فيها أحوالهم وحثهم على الجد والتضحية في قتال الأعداء، كما بعث إلى أل غلطة التي وقفت على الحياد مؤكدًا عليهم عدم التدخل فيما سيحدث ضامنًا لهم الوفاء بعهده معهم، وأنه سيعوضهم عن كل ما يخسرونه من جراء ما يحدث.

        وفي مساء اليوم نفسه أوقد العثمانيون نارا كثيفة حول معسكرهم، وتعالت صيحاتهم وأصواتهم بالتهليل والتكبير، حتى خيل للروم أن النار قد اندلعت في معسكر العثمانيين، فإذا بهم يكتشفون أن العثمانيين يحتفلون بالنصر مقدمًا، مما أوقع الرعب في قلوب الروم، وفي اليوم التالي 28 مايو كانت الاستعدادات العثمانية على أشدها والمدافع ترمي البيزنط بنيرانها، والسلطان يدور بنفسه على المواقع العسكرية المختلفة متفقدًا وموجهًا ومذكرًا بالإخلاص والدعاء والتضحية والجهاد.

        وكان الفاتح كلما مر بجمع من جنده خطبهم وأثار فيهم الحمية والحماس، وأبان لهم أنهم بفتح القسطنطينية سينالون الشرف العظيم والمجد الخالد، والثواب الجزيل من الله تعالى، وستسد دسائس هذه المدينة التي طالما مالأت عليهم الأعداء والمتآمرين، وسيكون لأول جندي ينصب راية الإسلام على سور القسطنطينية الجزاء الأوفى والإقطاعيات الواسعة. وكان علماء المسلمين وشيوخهم يتجولون بين الجنود ويقرؤون على المجاهدين آيات الجهاد والقتال وسورة الأنفال، ويذكرونهم بفضل الشهادة في سبيل الله وبالشهداء السابقين حول القسطنطينية وعلى رأسهم أبو أيوب الأنصاري ويقولون للمجاهدين: لقد نزل سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - عند هجرته إلى المدينة في دار أبي أيوب الأنصاري، وقد قصد أبو أيوب إلى هذه البقعة ونزل هنا، وكان هذا القول يلهب الجند ويبعث في نفوسهم أشد الحماس والحمية.

        وبعد أن عاد الفاتح إلى خيمته ودعا إليه كبار رجال جيشه أصدر إليهم التعليمات الأخيرة، ثم ألقى عليهم الخطبة التالية: "إذا تم لنا فتح القسطنطينية تحقق فينا حديث من أحاديث رسول الله ومعجزة من معجزاته، وسيكون من حظنا ما أشاد به هذا الحديث من التمجيد والتقدير، فأبلغوا أبناءنا العساكر فردا فردا أن الظفر العظيم الذي سنحرزه سيزيد الإسلام قدرًا وشرفًا، ويجب على كل جندي أن يجعل تعاليم شريعتنا الغراء نصب عينيه، فلا يصدر عن أحد منهم ما يجافي هذه التعاليم، وليتجنبوا الكنائس والمعابد ولا يمسوها بأذى، ويدعوا القسس والضعفاء والعجزة الذين لا يقاتلون".

        وفي هذا الوقت كان الإمبراطور البيزنطي يجمع الناس في المدينة لإقامة ابتهال عام دعا فيه الرجال والنساء والصبيان للدعاء والتضرع والبكاء في الكنائس على طريقة النصارى؛ لعله أن يستجاب لهم فتنجوا المدينة من هذا الحصار، وقد خطب فيهم الإمبراطور خطبة بليغة كانت آخر خطبة خطبها، حيث أكد عليهم بالدفاع عن المدينة حتى لو مات هو، والاستماتة في حماية النصرانية أمام المسلمين العثمانيين، وكانت خطبة رائعة كما يقول المؤرخون أبكت الجميع من الحاضرين، كما صلى الإمبراطور ومن معه من النصارى الصلاة الأخيرة في كنيسة آيا صوفيا أقدس الكنائس عندهم ثم قصد الإمبراطور قصره يزوره الزيارة الأخيرة، فودع جميع من فيه واستصفحهم، وكان مشهدًا مؤثرًا، وقد كتب مؤرخو النصارى عن هذا المشهد، فقال من حضره، (لو أن شخصا قلبه من خشب أو صخر لفاضت عيناه بالدموع لهذا المنظر).

        وتوجه قسطنطين نحو صورة (يزعمون أنها صورة المسيح) معلقة في أحد الغرف فركع تحتها، وهمهم بعض الدعوات، ثم نهض ولبس المغفر على رأسه، وخرج من القصر عند نحو منتصف الليل مع زميله ورفيقه وأمينه المؤرخ فرانتزتس، ثم قاما برحلة تفقدية لقوات النصارى المدافعة، ولاحظوا حركة الجيش العثماني النشطة المتوثبة للهجوم البري والبحري. وقبيل ذلك الليل بقليل رذت السماء رذًا خفيفًا كأنما كانت ترش الأرض رشا فخرج السلطان الفاتح من خيمته، ورفع بصره إلى السماء وقال: (لقد أولانا الله رحمته وعنايته فأنزل هذا المطر المبارك في أوانه فإنه سيذهب بالغبار ويسهل لنا الحركة).

الحادي عشر: "فتح من الله ونصر قريب"
        عند الساعة الواحدة صباحًا من يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857هـ الموافق 29 مايو 1435م بدأ الهجوم العام على المدينة بعد أن أصدرت الأوامر للمجاهدين الذين علت أصواتهم بالتكبير وانطلقوا نحو الأسوار، وخاف البيزنطيون خوفًا عظيما، وشرعوا في دق نواقيس الكنائس والتجأ إليها كثير من النصارى.

        وكان الهجوم النهائي متزامنًا بريًا وبحريًا في وقت واحد حسب خطة دقيقة أعدت بإحكام، وكان المجاهدون يرغبون في الشهادة، ولذلك تقدموا بكل شجاعة وتضحية وإقدام نحو الأعداء، ونال الكثير من المجاهدين الشهادة، وكان الهجوم موزعًا على كثير من المناطق، ولكنه مركز بالدرجة الأولى في منطقة وادي ليكوس بقيادة السلطان محمد الفاتح نفسه، وكانت الكتائب الأولى من العثمانيين تمطر الأسوار والنصارى بوابل من القذائف والسهام محاولين شل حركة المدافعين، ومع استبسال البيزنطيين وشجاعة العثمانيين كان الضحايا من الطرفين يسقطون بأعداد كبيرة، وبعد أن أنهكت الفرقة الأولى الهجومية كان السلطان قد أعد فرقة أخرى، فسحب الأولى ووجه الفرقة الثانية، وكان المدافعون قد أصابهم الإعياء، وتمكنت الفرقة الجديدة من الوصول إلى الأسوار، وأقاموا عليها مئات السلالم في محاولة جادة للاقتحام، ولكن النصارى استطاعوا قلب السلالم، واستمرت تلك المحاولات المستمية من المهاجمين، والبيزنطيون يبذلون قصارى جهودهم للتصدي لمحاولات التسلق.

        وبعد ساعتين من تلك المحاولات أصدر الفاتح أوامره للجنود لأخذ قسط من الراحة، بعد أن أرهقوا المدافعين في تلك المنطقة، وفي الوقت نفسه أصدر أمرا إلى قسم ثالث من المهاجمين بالهجوم على الأسوار من نفس المنطقة، وفوجئ المدافعون بتلك الموجة الجديدة بعد أن ظنوا ان الأمر قد هدأ وكانوا، قد أرهقوا، في الوقت الذي كان المهاجمون دماء جديدة معدة ومستريحة، وفي رغبة شديدة لأخذ نصيبهم من القتال، كما كان القتال يجري على قدم وساق في المنطقة البحرية؛ مما شتت قوات المدافعين وأشغلهم في أكثر من جبهة في وقت واحد، ومع بزوغ نور الصباح أصبح المهاجمون يستطيعون أن يحددوا مواقع العدو بدقة أكثر، وشرعوا في مضاعفة جهودهم في الهجوم، وكان المسلمون في حماسة شديدة وحريصين على إنجاح الهجوم، ومع ذلك أصدر السلطان محمد الأوامر إلى جنوده بالانسحاب لكي يتيحوا الفرصة للمدافع لتقوم بعملها مرة أخرى حيث أمطرت الأسوار والمدافعين عنها بوابل من القذائف، واتعبتهم بعد سهرهم طوال الليل.

        وبعد أن هدأت المدفعية جاء قسم جديد من شجعان الإنكشارية يقودهم السلطان نفسه تغطيهم نبال وسهام المهاجمين التي لا تنفك عن محاولة منع المدافعين عنها، وأظهر جنود الإنكشارية شجاعة فائقة وبسالة نادرة في الهجوم، واستطاع ثلاثون منهم تسلق السور أمام دهشة الأعداء، ورغم استشهاد مجموعة منهم بمن فيهم قائدهم فقد تمكنوا من تمهيد الطريق لدخول المدينة عند طوب قابي ورفعوا الأعلام العثمانية.

        مما زاد في حماس بقية الجيش للاقتحام كما فتّوا في عضد الأعداء، وفي نفس الوقت أصيب قائد المدافعين جستنيان بجراح بليغة دفعته إلى الانسحاب من ساحة المعركة؛ مما أثر في بقية المدافعين، وقد تولى الإمبراطور قسطنطين قيادة المدافعين بنفسه محل جستنيان الذي ركب أحد السفن فارًا من أرض المعركة، وقد بذل الإمبراطور جهودًا كبيرة في تثبيت المدافعين الذين دب اليأس في قلوبهم من جدوى المقاومة، في الوقت الذي كان فيه الهجوم بقيادة السلطان شخصيًا على أشده، محاولاً استغلال ضعف الروح المعنوية لدى المدافعين.

        وقد واصل العثمانيون هجومهم في ناحية أخرى من المدينة حتى تمكنوا من اقتحام الأسوار والاستيلاء على بعض الأبراج والقضاء على المدافعين في باب أدرنة، ورفعت الأعلام العثمانية عليها، وتدفق الجنود العثمانيون نحو المدينة من تلك المنطقة، ولما رأى قسطنطين الأعلام العثمانية ترفرف على الأبراج الشمالية للمدينة، أيقن بعدم جدوى الدفاع وخلع ملابسه حتى لا يعرف، ونزل عن حصانه وقاتل حتى قتل في ساحة المعركة.

        وكان لانتشار خبر موته دور كبير في زيادة حماس المجاهدين العثمانيين، وسقوط عزائم النصارى المدافعين، وتمكنت الجيوش العثمانية من دخول المدينة من مناطق مختلفة، وفر المدافعون بعد انتهاء قيادتهم، وهكذا تمكن المسلمون من الاستيلاء على المدينة. وكان الفاتح رحمه الله مع جنده في تلك اللحظات يشاركهم فرحة النصر، ولذة الفوز بالغلبة على الأعداء من فوق صهوة جواده، وكان قواده يهنئونه وهو يقول: (الحمد لله، ليرحم الله الشهداء، ويمنح المجاهدين الشرف والمجد، ولشعبي الفخر والشكر).

        كانت هناك بعض الجيوب الدفاعية داخل المدينة التي تسببت في استشهاد عدد من المجاهدين، وقد هرب أغلب أهل المدينة إلى الكنائس، ولم يأت ظهيرة ذلك اليوم الثلاثاء 20 جمادي الأولى 857هـ الموافق 29 من مايو 1453م، إلا والسلطان الفاتح في وسط المدينة يحف به جنده وقواده وهم يرددون: ما شاء الله، فالتفت إليهم وقال: لقد أصبحتم فاتحي القسطنطينية الذي أخبر عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهنأهم بالنصر، ونهاهم عن القتل، وأمرهم بالرفق بالناس، والإحسان إليهم، ثم ترجل عن فرسه وسجد لله على الأرض شكرًا وحمدًا وتواضعًا لله تعالى.

الثاني عشر: معاملة محمد الفاتح للنصارى المغلوبين:
        توجه محمد الفاتح الى كنيسة آيا صوفيا، وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس، ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها خوفًا عظيمًا، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له، فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم، والعودة إلى بيوتهم بأمان.

        فأطمأن الناس، وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة، فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم، وقد أمر الفاتح بعد ذلك بتحويل الكنيسة إلى مسجد، وأن يعد لهذا الأمر حتى تقام بها أول جمعة قادمة، وقد أخذ العمال يعدون لهذا الأمر، فأزالوا الصلبان والتماثيل، وطمسوا الصور بطبقة من الجير وعملوا منبرًا للخطيب، وقد يجوز تحويل الكنيسة إلى المسجد؛ لأن البلد فتحت عنوة، والعنوة لها حكمها في الشريعة الإسلامية.

        وقد أعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية، واختيار رؤسائهم الدينين الذين لهم حق الحكم في القضايا المدنية، كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى، ولكنه في الوقت نفسه فرض الجزية على الجميع.

        لقد حاول المؤرخ الإنجليزي إدوارد شيبردكريسي في كتابة "تاريخ العثمانيين الأتراك" أن يشوه صورة الفتح العثماني للقسطنطينية، ووصف السلطان محمد الفاتح بصفات قبيحة؛ حقدًا منه وبغضًا للفتح الاسلامي المجيد، وسارت الموسوعة الأمريكية المطبوعة في عام 1980م في حمأة الحقد الصليبي ضد الإسلام، فزعمت أن السلطان محمد قام باسترقاق غالبية نصارى القسطنطينية، وساقهم إلى أسواق الرقيق في مدينة أدرنة حيث تم بيعهم هناك.

        إن الحقيقة التاريخية الناصعة تقول إن السلطان محمد الفاتح عامل أهل القسطنطينية معاملة رحيمة، وأمر جنوده بحسن معاملة الأسرى والرفق بهم، وافتدى عددًا كبيرًا من الأسرى من ماله الخاص وخاصة أمراء اليونان، ورجال الدين. واجتمع مع الأساقفة وهدأ من روعهم، وطمأنهم إلى المحافظة على عقائدهم وشرائعهم وبيوت عبادتهم، وأمرهم بتنصيب بطريرك جديد، فانتخبوا أجناديوس برطيركا، وتوجه هذا بعد انتخابه في موكب حافل من الأساقفة إلى مقر السلطان، فاستقبله السلطان محمد الفاتح بحفاوة بالغة وأكرمه أيما تكريم، وتناول معه الطعام، وتحدث معه في موضوعات شتى، دينية وسياسية واجتماعية، وخرج البطريرك من لقاء السلطان، وقد تغيرت فكرته تمامًا على السلاطين العثمانيين وعن الأتراك، بل والمسلمين عامة، وشعر أنه أمام سلطان مثقف صاحب رسالة وعقيدة دينية راسخة وإنسانية رفيعة، ورجولة مكتملة، ولم يكن الروم أنفسهم أقل تأثرًا ودهشة من بطريقهم، فقد كانوا يتصورون أن القتل العام لابد لاحقهم، فلم تمض أيام قليلة حتى كان الناس يستأنفون حياتهم المدنية العادية في اطمئنان وسلام.

        كان العثمانيون حريصون على الالتزام بقواعد الإسلام، ولذلك كان العدل بين الناس من أهم الأمور التي حرصوا عليها، وكانت معاملتهم للنصارى خالية من أي شكل من أشكال التعصب والظلم، ولم يخطر ببال العثمانيين أن يضطهدوا النصارى بسبب دينهم.

        إن مِلَل النصارى تحت الحكم العثماني تحصلت على كافة حقوقها الدينية، وأصبح لكل ملة رئيس ديني لا يخاطب غير حكومة السلطان ذاتها مباشرة، ولكل ملة من هذه الملل مدارسها الخاصة وأماكن للعبادة والأديرة. كما أنه كان لا يتدخل أحد في ماليتها، وكانت تطلق لهم الحرية في تكلم اللغة التي يريدونها.

        إن السلطان محمد الفاتح لم يظهر ما أظهره من التسامح مع نصارى القسطنطينية إلا بدافع التزامه الصادق بالإسلام العظيم، وتأسياً بالنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - ثم بخلفائه الراشدين من بعده، الذين امتلأت صحائف تاريخهم بمواقف التسامح الكريم مع أعدائهم.
==========