د / محمد بدري xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /

تحفر العصابات فخ الفتنة بصمت العنكبوت ، ومكر الثعلب ، وتلوّن الحرباء ، وتسدل الظلام الظلام علي عملياتها ، ولا تكشف جزءاً منها لنا إلا لتدخل الباقي في الظلام ،كما تضحي الحية بجزء من ذيلها وتدخل جحرها لتنجو بذاتها.. وبينما يعلنون اعتذاراً وهمياً عن إهانات حقيقية ، يشيعون أنهم يعانون اضطهاداً وحصاراً ومحاربة .. وبينما يتحدثون عن البعد عن الفتنة والدماء ، تقطر كلماتهم حقداً علي كل قطرة دم يمكن أن تسلم لخالقها العليم ، وتحمل رسالته إلي العالمين .. ؟!! وحين تشعر تلك العصابات بضعف خطتها ، أو بالخطأ في بعض أجزاء هذه الخطة ؛ فإنها تسارع إلي تدارك الضعف وإلي تصحيح الخطأ ..؟!

 إن المؤامرة هنا ليست نظرية ، وليست افتراضاً ، وليست وجهة نظر .. إنها الواقع المحبوك الذي نعيشه ، والذي يحاصرنا من كل الجهات .. إنها اليقين الذي نقطع به في عالم مليء بالافتراضات والاحتمالات والمتغيرات .. إنها الحقيقة القاطعة مثل حد سكين يخترق الرقاب ، أو شفرة حادة لا نجرؤ على ابتلاعها ، ولا نقدر على إخراجها .. إنها الواقع الذي يبتلعنا مثل أخطبوط هائل الحجم كثير الأذرع ؛ فيشعر المرء معه أنه ذرة ألقيت بين قوي رهيبة متطاحنة ..!! إنها المكيدة المدبرة عن معرفة تامة بنا ، وإدراك كامل لما نعانيه من حيرة أمام ألغاز الواقع بسبب من النقص الذي يمنع عقولنا من الربط بين الوقائع ، لتضعها تحت قاعدة موحدة وتستخلص منها حقيقة عامة ..فننظر إلي الوقائع والأحداث مجزأة منفصلة فردية ، دون أي رباط عضوي بينها ، كأنما هي كوماً من الأحداث جمعتها الصدفة ، في غير ما تركيب ولا تنسيق .!! نعم .. أخوتي .. إن عمل أعدائنا يتلاحق بطريقة خفية لا يمكننا معها إدراكه ؛ لأن لنا " أوضاعاً عقلية تحول بيننا وبين أن نتتبع اللعب حين لا يكون مرئياً أو واضحاً ، وحين تكون الوسائل المستخدمة في قدر حبات الرمل .. مع أن حبة رمل واحدة كافية أحياناً لإيقاف محرك ، إذا ما تسربت إلى أحد أجهزته .. وبعبارة أخرى : قد تكفي لذعة إبرة في مكان مناسب ليحل الشلل بشبكة علاقات المجتمع .. كما يكفي " لا شيء " لشل الجهاز العصبي في كائن حي أحياناً " لقد تحول واقع الصراع مع عدونا إلي ما يشبه مياه المحيط التى كلما تعمق الإنسان فيها ، كلما ازدادت ظلاماً ، وازداد ضغطها على جسمه وعقله ، حتى يفقد ـ ولو للحظات ـ قدرته على فهم ما يحدث أو حتى تفهمه ..ولذلك فقد مست الحاجة إلي نوع من الفكر يمتلك القدرة علي التحليل والتقويم ، ونوع من العلم النافع الذي يمكننا من خوض معركة الحياة أو الموت .. أخوتي .. إن تلك العصابات تبني خطتها على أن الحراس قليلون أو نائمون ، وأن المنافذ سهلة لا وعرة ، وأن الاستيلاء على الغنائم لن يكلف جهداً يذكر ؛ فتقوم بعملها لا يخامرها قلق في أنها تعود من مغامرتها راضية بما نالت ..!! ذلك أن نظرتنا لعمل العصابات تقوم ـ بكل أسف ـ علي تقدير نتائج " الأسباب الكبرى " ، والانتقاص من نتائج " الأسباب الصغرى " ، بل وربما إهمالها .. بينما الحقيقة أن الإنزلاق بقشرة موزة وُضعت بمهارة تحت رِجل إنسان قد تكون في غاية الخطورة .. وهذا ما تشهد به تجاربنا الخاصة وخبرات حياتنا ؟! ولذلك .. فإنه من الضروري جداً أن ندرك أن تلك العصابات في الداخل لا تعمل منفردة ، وإنما تتعاون معه عصابات أخري خارجية تتقاسم معها الأرباح والجريمة ، وتعمل معها في تنسيق ونظام داخلي يشبه المجلس السري ، وكل فرد في هذا المجلس مرتبط بمجموعة ، وكل بدوره يرتبط بعدد أكبر بحيث تتشكل آلة جهنمية في النهاية مثل شبكة العنكبوت التي تقدم في كل لحظة الدليل القاسي على وجودها ، ولكن خيوط تلك الشبكة لا تُري بوضوح حين تأتي من بعيد .. ؟! وهذه قصة من عالم الحيوان .. وفتش معي عن العبرة : ثارت الحيوانات على صاحبها حتى طردته وأعلنت جمهورية الحيوان ، ووضعت شعاراتها "كل الحيوانات متساوون" .. " كل من يدب على أربع أو يطير بجناحين فهو صديق ، وكل من يسير على قدمين فهو عدو" .. " لا يجوز لحيوان أن يرتدى ثيابا أو ينام على فراش" الخ... وانتخبوا الخنزير رئيساً .. ووضع الخنزير يده على الجراء الستة التى ولدتها كلبة حراسة المزرعة ليربيهم لها ، واستطاع في سرّية أن يمرنهم على الطاعة العمياء وإتباع أوامره بما في ذلك الهجوم على من يغضب عليه عندما يشير إليهم بذلك .. وتعود أن يخرج ووراءه الكلاب الستة .. ولم تعلم الحيوانات بما وراء ذلك ، إلا عندما ضاق الخنزير برفض أحد معارضيه .. عندئذ صاح بكلابه صيحة معينة فزمجرت هذه الكلاب وانطلقت تجرى وتعوى في وحشية ، وقد استيقظت فيها طبيعة الذئاب حتى كادت أن تعقر المعارض لو لم يفر ناجياً بجلده ... عندئذ ظهرت السلطة ، واستكملت أخص قسماتها وهى أنها " أداة قمع " .. و " جيش فتنة " ؟! وهكذا .. تتعامل عصابات الفتنة ، "فتسوّغ كل انتهاك للمبادئ لتحقيق مصالحها الضيقة ومنافعها الخاصة ، فالمباديء عندهم لا تعدو أن تكون برقعاً جميلاً يخفي وراءه وجهاً بشعاً ، وكلاماً علي اللسان معسولاً يغطي فعلاً أثيما. .. والأخلاق عندهم كالمناديل الورقية التي تستخدم مرة واحدة لتحقيق مصلحة ، ثم تلقي في سلة المهملات .. !! هكذا هي المباديء والأخلاق عند أولئك الذين أشربوا في قلوبهم ثقافة الكفر والحقد .. هذه الثقافة التي يقوم عليها صنف من الناس بعيدو فسدت طباعهم كما فسدت عقولهم ، لا يرعون عهداً ولا ذمة ، ولا يحفظون فضلاً أو نعمة .. لا يرضون بديلاً عن إخضاع البشرية كلها لسلطانهم من خلال كل صور الفتنة والفساد .. ولا شك أن هذا يقتضي منا كثيراً من اليقظة لنحاول اختيار دورنا ، بدلاً من أن نرغم علي أداء دور نجهله أو لم نستعد له .. ولا يمكننا ذلك إلا من خلال فهم ما يجري حولنا ، ورؤية الحقيقة كما هي دون أي مغالطة أو تغليف يجردها من مضمونها الواقعي ، واليقين بأننا لا نستطيع كسب معركة الحياة والموت مع عصابات الكفر والحقد ما لم نقوم بمراجعة ما جرته قلة الوعي والسياسات اللامسؤولة وغير المؤصلة في فريق ، والوصولية في ثالث ، وأتباع الهوى في رابع ، وأحادية النظرة واختزال التغيير في المواجهة المتهورة في خامس ، والاقتصار على الدعوة الوديعة في سادس؟! فإن نحن فعلنا ذلك ؛ فإن الغد يحمل بين طياته عالماً جديداً تتمخض عنه الوقائع .. قد أخذت ملامحه في التكوين والظهور .. و سيكون عالماً جديداً بمعني الكلمة ، و سيبني علي أسس غير أسس هذا العالم .. الأسس التي شكلت بداية أمتنا .. هذه البداية التي قامت علي قواعد الحرية و العدل و الإحسان ، وإنزال القيم مناط التطبيق ، وحمل المبادئ فوق الأشخاص ، وزرع نبتة الأخوة الحقيقية .. التي تقهر بخيوط علاقاتها الإجتماعية ، الاستبداد والتسلط الذي يمسك المستعبَدين من خلال خيوط الخوف الرفيعة كخيوط بيت العنكبوت ، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ، لو كانوا يعلمون ..!!